الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٨٤ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
تركوا الواثق ميتا في مكان وحده و ليس هناك أحد عنده، فجاء جرذ و هو الفأر العظيم فاستل عينه، و أكلها فسبحان المعز المذل [١].
و من العجائب أنّ المنتصر لما قتل أباه و تولى الخلافة من بعده لم يتهنّ بالخلافة، و لم يصف له العيش يوما، لشدة حذره من المماليك الذين أعانوه على قتل أبيه، و لم يمكث بعد أبيه في الخلافة غير ستة أشهر.
حكي أنّه جلس يوما و أخرج من ذخائر الخزائن بساطا تداولته أيدي الملوك، و كان عجيب المنظر، فرأى فيه صورة آدمي، و على رأسه تاج، و عليه كتابة بالفارسية، فأحضر رجلا فارسيا ليقرأها، فقرأها: و عبس عند قراءتها فسأله المنتصر عن ذلك، فقال: معنى هذه الكتابة أنّ الملك شيرويه بن ابرويز بن هرمز قد قتل أباه في طلب الملك، فلم يمكث بعده إلّا ستة أشهر، فأصفر وجه المنتصر، و تطير من ذلك، و تذكر ما صنع بأبيه، ثمّ دخل على أمّه متوعكا مرعوبا و هو يبكي، ثمّ نام في تلك اللّيلة، و انتبه فزعا مرعوبا، فسألته أمّه عن ذلك، فقال: أفسدت ديني، و دنياي، رأيت أبي في هذه السّاعة، و هو يقول لي: قتلتني يا محمّد لأجل الخلافة، و اللّه لا تتمتع بها إلّا أياما قلائل، ثمّ مصيرك إلى النّار.
و لما أحس مماليك أبيه بتوعكه علموا أنّه يرسل إلى ابن الطّيفوري الحكيم فاجتمعوا به ليلا، و جعلوا له ألف دينار، و قالوا له: إذا طلبك المنتصر لمداواته فأفصده بمبضع مسموم، فلمّا أصبح المنتصر، و طلبه فصده بمبضع مسموم فمات، و ذلك سنة ثمان و أربعين و مائتين [٢].
و من العجائب أنّ ابن الطّيفوري الحكيم لما فصد المنتصر بالمبضع المسوم
[١] انظر، القصة في البداية و النّهاية: ١٠/ ٣٤١.
[٢] انظر، القصة في تأريخ الطّبري: ٧/ ٤١٥، مروج الذّهب: ٤/ ١٥٣، البداية و النّهاية: ١٠/ ٣٨٥.