الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٤٠ - الباب السّابع في حكايات مكارمهم الكثيرة، و مراحمهم الشّهيرة
حاجة، فسل ما تحب، فقال: تقطعني يا أمير المؤمنين هنا أرضا أبنيها تنسب إليّ، قال: قد فعلنا، و نساعدك بالأموال، و الرّجال، فلمّا عمّرها، و استوثقت أموره فيها، و تحول النّاس إليها، كثر مقال الحساد فيه، فتغير عليه هارون، و أنفذ إليه يطلب منه مالا كثيرا، فتعلل عليه، و دافع، و تحصن، و جمع الجيوش، و طلب محاربة الرّشيد، و طالت الوقائع بينهما إلى أن ظفر به صاحب الرّشيد، فحمله إليه مكبلا في الحديد، فمكث في السّجن عشرة أيام، ثمّ أمر الرّشيد بإحضاره في جمع من الرّؤساء، و وجوه الدّولة، فلمّا حضر قبّل الأرض، و لم ينطق، فعجب الرّشيد من صمته، و غاظه ذلك، و أمر بضرب عنقه، فبسط النّطع، و جرد السّيف، و قرب مالك إلى النّطع، فقال الوزير: يا مالك تكلم، فإنّ أمير المؤمنين يسمع كلامك، فرفع رأسه، و قال: أخرست عن الكلام يا أمير المؤمنين دهشة، و أدهشت عن السّلام، و التّحية، فإمّا إذ أذن لي أمير المؤمنين فإنّي أقول السّلام على أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، و الحمد للّه الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [١]، يا أمير المؤمنين جبر اللّه بك صدع الدّين، و لمّ بك شعث الأمّة، و أخمد بك شهاب الباطل، و أوضح بك سبيل الحقّ إنّ الذّنوب تخرس الألسن الفصيحة، و تصدع الأفئدة، و ايم اللّه لقد عظمت الجريمة، و انقطعت الحجّة، و لم يبق إلّا عفوك، أو انتقامك، ثمّ ألتفت يمينا، و شمالا، و أنشأ يقول:
أرى الموت بين النّطع، و السّيف كامنا* * * يلاحظني من حيث ما أتلفت [٢]
و أكبر [٣] ظني إنّك اليوم قاتلي* * * و أيّ امرئ مما قضى اللّه يفلت
[١] السّجدة: ٧- ٨.
[٢] في بعض المصادر: لا أتلفت.
[٣] في بعض المصادر: و أكثر.