الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ١٩٨ - الباب الرّابع في زيارة المشهد الحسيني، و بقية مدافن آل البيت
و قال ابن عبد الظّاهر [١] قد ذكر أنّ الملك الصّالح طلائع بن رزيك لما قصد نقل الرّأس الشّريف من عسقلان خوفا عليه من الأفرنج بنى جامعه الّذي هو الآن خارج باب ذويلة ليدفن الرّأس فيه، و يفوز بهذا الفخار، فغلب أهل القصر على ذلك، و قالوا: لا يكون ذلك إلّا عندنا، فعمدوا إلى هذا المكان و بنوه، و نقلوا إليه الرّخام، و ذلك في خلافة الفائز عليّ بن طلائع في سنة تسع و أربعين و خمسمائة.
و حكي أنّ السّلطان صلاح الدّين يوسف [٢] وشي له مرة بخادم من خدمة القصر المذكور، كان بيده زمام القصور، و قيل له: إنّه يعرف موضع الأموال، و الدّفائن الّتي بالقصر فأخذ و سئل فلم يذكر شيئا و تجاهل، فأمر صلاح الدّين بتعذيبه، فأخذه متولي العقوبة و جعل على رأسه خنافس، و شدّ عليها قرمزية و يقال: أنّ هذا أشدّ العقوبات؛ لأنّها تثقب بالرأس فلا يطيق الإنسان الصّبر عليها ففعل به ذلك مرارا، و الخنافس توجد ميتة، و لا تؤذيه، فأخبروا به صلاح الدّين فأحضره، و قال له: عرّفني ما سبب هذا، فقال: ليس له سبب أعرفه غير أنّه لما وصل الرّأس الشّريف إلى هنا حملته بالديباج، و الطّيب على رأسي حتّى وضعته داخل الضّريح، فقال صلاح الدّين: و أي سبب أشرف من هذا، و عفى عنه [٣]، ثمّ أنّ صلاح الدّين رتّب فيه تدريس فقه، و تدريس حديث، و قرر فيه البهاء الدّمشقي فكان يجلس للتدريس عند المحراب الّذي خلفه الضّريح الشّريف [٤].
[١] هو عبد اللّه بن عبد الظّاهر بن نشوان (٦٢٠ ه- ٦٩٢ ه)، الجذامي السّعدي، محيي الدّين: قاض أديب مؤرخ من أهل مصر مولدا و وفاة له الرّوضة البهية الزّاهرة في خطط المعزية القاهرة، نقل عنه المقريزي كثيرا في خططه. انظر، الأعلام: ٤/ ٩٨، هدية العارفين: ١/ ٤٦٣، كشف الظّنون: ١/ ٤٨٣.
[٢] انظر، ترجمة صلاح الدّين الأيوبي في الكامل لابن الأثير: ١١/ ٤٨٥.
[٣] انظر، تأريخ مصر الحديث: ١/ ٢٩٨، الغدير: ٤/ ٣٤٩، تذكرة القرطبي: ١٢١.
[٤] انظر، كنز الجوهر في تأريخ الأزهر لسليمان بن رصد الحنفي الزّياتي: ١٤٦.