الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٧٥ - الباب الأوّل في نبذة من فضائلهم، و قطرة من شمائلهم
- رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ و لو سلّمنا جدلا فإنّ الواقعة الاولى لا دخل لها في الواقعة الثّانية و إنما جاء الخلط نتيجة التّعصّب الأعمى و نسيان كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه جاء بعد الأمر بالتمسّك بالكتاب و العترة و بيان أنهما لم يفترقا حتّى يردا عليه الحوض.
و لسنا بصدد بيان و بحث حديث الثّقلين، بل نقول لما ذا منع الالوف عن المسير؟ و ارجاع من تقدّم منهم و إلحاق من تأخّر؟ و لم أنزلهم في العراء لا كلأ و لا ماء؟ و لما ذا قال (صلّى اللّه عليه و آله): ليبلّغ الشّاهد منهم الغائب؟ و لما ذا ينعى نفسه لهم؟ و لما ذا يسألهم عن الشّهادتين؟ و لما ذا يحذّرهم من النّار و الموت و السّاعة و البعث من فى القبور؟ و هل من المعقول أن يجمعهم على أمر هو من أوضح الواضحات بحكم الوجدان و العيان و هو (صلّى اللّه عليه و آله) المنزّه في أفعاله و أقواله بحكم الحكمة و العقل و العصمة؟ هذه أسئلة نطرحها على ابن كثير و من سار على نهجه.
ثمّ إنّ لفظة «منّي» في حديث المنزلة «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه ليس نبيّ بعدي» كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه: ٢/ ٢٠٠، و صحيح مسلم: ٧/ ١٢٠، و التّرمذي: ١٣/ ١٧١، و الطّيالسي: ١/ ٢٨/ ٢٠٥ و ٢٠٩ و ٢١٣، و ابن ماجه: ح ١١٥، و أحمد في مسنده: ١/ ١٧٠ و ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٤ و ١٨٥ و ٣٣٠، و: ٣/ ٣٢ و ٣٣٨، و: ٦/ ٣٦٩ و ٤٣٨، و مستدرك الحاكم: ٢/ ٣٣٧، و طبقات ابن سعد: ٣/ ١ و ١٤ و ١٥، و مجمع الزّوائد: ٩/ ١٠٩ و في لفظ آخر لمسلم «إلّا أنه لا نبي بعدي» فلفظة «منّي» توضّح المراد من المعنى، و ذلك أنّ هارون لمّا كان شريكا لموسى في النّبوّة، و وزيره في التّبليغ، و كان عليّ (عليه السّلام) من خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله) كذلك باستثناء النّبوّة، فتبقى لعلي (عليه السّلام) الوزارة في التّبليغ، و كذلك لأولاده: في حمل أعباء التّبليغ إلى المكلّفين مباشرة، و لذا فهم: منه ٩ و هو منهم، يشتركون في التّبليغ و يختلفون في أنه (صلّى اللّه عليه و آله) يأخذ الأحكام الّتي يبلّغها من اللّه عن طريق الوحي و هم يأخذونها عن طريق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فهم مبلّغون عن رسول اللّه إلى الامة. و قد أعدّهم اللّه و رسوله لحمل أعباء التّبليغ، و ذلك بما عصمهم من الرّجس و طهّرهم تطهيرا كما ورد في الآية الكريمة.
و لهذا فإنّ الرّسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كان مدركا أنّ قومه حديثوا عهد بالجاهلية، و أنهم طالما عارضوا أحكامه و قراراته عدّة مرات كما حدث في صالح الحديبية و احد و حنين و أثناء مرضه (صلّى اللّه عليه و آله) في الكتاب و الدّواة و سرية اسامة و صلاة الجمعة أثناء إقبال العير المحمّلة بالبضاعة. و لذا نجد أنّ عملية التّبليغ الّتي نفّذها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد جرت أمام عشرات الآلاف من المسلمين، و أن استثناء النّبوّة جاء لئلّا يتوهم-