الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٩٠ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
هولاكو، و كان مع الخليفة قضيب النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و بردته فأخذهما هولاكو و حرقهما في طبق، و ألقى رمادهما في الدّجلة، و حبس الخليفة المعتصم و السّبعة عشر رجلا، ثمّ أطلق السّيف في بغداد، ثمّ أخرج السّبعة عشر رجلا فقتلهم، و منع الخليفة المعتصم، و ولده أبا بكر من الطّعام، و حبسهما في مطمورة جائعين حتّى بلغ منهما الجوع، و سألا في الإطعام فلم يجابا.
ثمّ أمر هولاكو أن يوضع الخليفة و ولده أبو بكر في جولقين [١]، و يرميا في الأرض، و أمر الخيالة أن تمر عليهما بالخيل حتّى يموتا ففعل بهما ذلك، و ماتا و لم يبق لدولة بني العباس أثر، و لم يفضل من الخلفاء، و لا من أولادهم أحد غير طفل هربت به أمّه، و أتت إلى مصر في مدة السّلطان الظّاهر بيبرس [٢] فطلعت به إليه و أخبرته بما وقع ببغداد، فأكرمها و أحضر القضاة، و أثبت نسب ولدها، فكان ذلك الطّفل هو الخليفة بمصر من العباسيين، و ذريته، أقاموا مدة بمصر، و أخبارهم
[١] الجولق: بكسر الجيم، و ضمها، و كسر اللام و فتحها، هو وعاء يوضع فيه الطّعام معروف جمعه جوالق، كصحائف، و جواليق، و جوالقات، كما جاء في القاموس، لسان العرب: ١٠/ ٣٦.
[٢] هو بيبرس العلائي، البندقاري، الصّالحي، ركن الدّين، الملك الظّاهر، صاحب الفتوحات، و الأخبار، و الآثار، مولده بأرض (القپچان)، أذسر فبيع فى سيواس، ثم نقل إلى حلب و منها إلى القاهرة، فاشتراه الأمير علاء الدّين (أيدكين البندقار)، و بقي عنده فلما قبض عليه الملك الصّالح (نجم الدّين أيوب)، أخذ بيبرس، فجعله في خاصة خدمه، ثم أعتقه، و لم تزل همته تصعد به حتّى كان (أتابك) العسكر بمصر في أيام الملك (المظفر) قطز، و قاتل معه التّتار في فلسطين، ثم اتفق مع أمراء الجيش على قتل (قطز)، فقتلوه و تولى بيبرس سلطنة مصر، و الشّام سنة (٦٥٨ ه)، و تلقب بالملك (القاهر أبي الفتوحات)، ثم ترك هذا اللّقب و تلقب بالملك (الظّاهر)، و كان شجاعا، جبارا، يباشر الحروب بنفسه، و له وقائع الهائلة مع التّتار، و الإفرنج، و في أيامه انتقلت الخلافة إلى الدّيار المصرية سنة ٦٥٩ ه، توفي في دمشق، و قبره معروف فيها. انظر، الأعلام للزركلي: ٢/ ٧٩.