الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٤٨ - الباب السّابع في حكايات مكارمهم الكثيرة، و مراحمهم الشّهيرة
أفعل ما شئت، فطرح رداءه على وجهه، و غطى به رأسه، و جذبه، و سحبه إلى أن قرب به من الرّبيع حاجب المنصور و هو على الباب، فلمّا وقعت عين الرّبيع عليهما لطمه محمّد بن زيد في رأسه لطمات، و جاء به للربيع، و قال: يا أبا الفضل إنّ هذا الخبيث جمّال من أهل الكوفة أكراني جمالا، فلمّا دفعت له الكراء هرب مني، و أكرى جماله لبعض أهل خراسان، ولي عليه شهود، و اريد منك من يوصله معي إلى القاضي، و يمسك جماله عن الذّهاب مع الخراسانيين، فرسم الرّبيع عليه اثنين، و قال: لا يفارق إلى القاضي، و محمّد قابض على الرّداء، و قد استتر وجهه به، فخرجوا من المسجد جميعا، فلمّا بعدوا من الرّبيع، قال له محمّد: يا ويلك، و ما ينفعك الفجور، قال له: يا ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قد رجعت إلى الحقّ، و اعترفت لك، فقال محمّد للرسولين: قد أعترف بالحقّ انصرفا عنه فتركاه و انصرفا، فلمّا بعد، قال له محمّد: اذهب في حال سبيلك، فقبّل محمّد بن هشام يده، و رأسه، و قال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته، ثمّ أخرج جوهرا له قيمة، و قال للَّه تعالى يا ابن بنت رسول اللّه شرفني بقبول هذا؟ فقال له: اذهب بمتاعك، فنحن أهل بيت لا نقبل على اصطناع المعروف مكافأة، و احترز على نفسك من هذا الرّجل، فإنّه مجدّ في طلبك» [١].
و عن أبي العتاهية [٢] قال: «بينا أنا في حبس الرّشيد إذ دخل علينا رجل ذو هيئة، فجلس ساعة لا ينطق، فقلت له: أصلحك اللّه أنّ للمحبوسين استراحة إلى الأخبار، و تطلعا إلى الأحاديث، و قد دخلت علينا فهلا تخبرنا بشيء من أمرك، أو من أمر غيرك، فقال: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): للداخل دهشة، فأبسطوه بأنس، فقلت، صدقت،
[١] انظر، عمدة الطّالب لابن عنبة: ٢٩٩، الفرج بعد الشّدة للقاضي التّنوخي: ٢/ ٢٠٠.
[٢] هو إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، مولى عنزة، و كنيته أبو إسحاق، المعروف أبي العتاهية، و أمّه أمّ زيد بنت زياد المحاربي مولى. انظر، ترجمته في الأغاني: ٤/ ١.