الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٥٠٢ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
فصلت عنه، سئلت ما ذا لقيت منه، فأنشدت [١]:
صان لي دمعتي [٢]، و أكرم وجهي* * * إنّما يكرم الكريم الكريما
و حكي أنّ النّعمان [٣] بن امرئ القيس، كان يوما جالسا في قصره المسمى بالخورنق، فأشرف على ما حواليه من الزّهور، و تغريد الطّيور، و حسن تناسق الأنهار، و تمايل الأشجار، و ذلك في فصل الرّبيع، فتأمل فيه مليّا، و أعجبه حسنه، فأقبل على عدي بن زيد التّميمي، و كان في مجلسه، و كان فصيحا لبيبا، فقال يا عدي: أ كلّ ما أرى إلى نفاد، و زوال، فقال عدي: قد علم الملك أنّ الأمر على ما ذكر، فقال النّعمان: فأيّ خير فيما يفنى، و يبيد.
و كان النّعمان بن امرئ القيس المذكور يعجبه الزّهر المسمى شقائق النّعمان، و كان يتتبع رياضه، و يحميه، و لذلك نسب إليه، فالتفت ثانيا إلى تلك الشّقائق، و كانت في رملة مستطيلة، فلمّا عاين تنضّد ذلك النّور في منابته، و قنو حمرته، و خضرة سوقه، و تموجه بهبوب النّسيم عليه، و تناثر قطر النّدى من أرجائه، فرأى منظرا بهيجا، ثمّ تأمل مليّا، ثمّ ألتفت إلى عدي بن زيد، و قال: أنشدني أبياتا، فأنشد عدي بن زيد [٤]:
[١] انظر، تأريخ مدينة دمشق: ١٢/ ٣٧٦، الكنى و الألقاب: ١/ ٣٠٩، الجليس الصّالح: ١/ ٤٤١.
[٢] في تأريخ دمشق: حاط لي ذمتي.
[٣] كان هذا الملك النّعمان الأوّل جدّ ملوك العراق، و هو الّذي بنى قصر الخورنق، و السّدير، و تربى بهرام جور عنده، كما جاء في شرح أصول الكافي: ٣/ ١٥٤، تاج العروس: ٦/ ٣٩٧، و امرؤ القيس بن حجر ابن الحارث الكندي، من أشهر شعراء العرب، يعرف بالملك الضّليل، أحد شعراء المعلقات العشر المشهورات. انظر، الأغاني: ٩/ ٧٧، الأعلام للزركلي: ١/ ٣٥١، الشّعر و الشّعراء: ٣٧.
[٤] انظر، القصيدة كاملة في البداية و النّهاية: ٩/ ١٨٣، التّأريخ الكبير: ٤/ ٢٥، تأريخ الفسوي:-