الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٥٠١ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
نعم، ثمّ قال: أنت الحرقة بنت النّعمان بن المنذر ملك الحيرة، فقالت له: نعم، فما تكرارك استفهامي أيّها الأمير، إنّ الدّنيا دار بلغة، و زوال، فما تدوم على حال، لا تزال بأهلها في انتقال، و تعقبهم حالا بعد حال، و إنّا كنّا ملوك هذه الأرض، يجبى إلينا خراجها، و يطيعنا أهلها مدى المدة و زمان الدّولة.
فلمّا أدبر الأمر، صاح بنا صائح الدّهر، فصدع عصانا، و شتت ملأنا، و هكذا الدّهر يا سعد يتصرف بأهله، و له نوائب، و سرور، و كروب، و حبور، و ليس من قوم أتحفهم بخيره إلّا أردفهم بغيره، و لا أوسعهم بفرحه إلّا أعقبهم بترحه، ثمّ أنشدت [١]:
فبينا نسوس النّاس و الأمر أمرنا* * * إذا نحن فيهم سوقة نتنصف [٢]
فأف لدينا لا يدوم نعيمها* * * تقلب فينا بالهموم و تصرف [٣]
و بينما الحرقة تخاطب سعدا رضى اللّه عنه، دخل عليه عمرو بن معدي كرب الزّبيدي فنظر إلى الحرقة تخاطب سعدا، فقال له سعد: هذه الحرقة بنت النّعمان ملك العرب، فقال لها: عمرو أنت الحرقة الّتي كانت تفرش لك الأرض من قصرك إلى بيعتك بالديباج المطبق بالوشى، قالت: نعم، قال عمرو: فما الّذي دهمك، و أذهب محمودات أمرك، و غوّر ينابيع نعمك، و قطع سطوات نقمك، فقالت يا عمرو: إنّ للدهر عثرات، و نكبات، تلحق السّيّد من الملوك بالعبد المملوك، و تخفض ذا الرّفعة، و تذل ذا المنعة، و إنّ هذا الأمر كنّا ننتظره، فلمّا حلّ بنا لم ننكره، ثمّ أنّ سعدا سألها عما قصدت له، فاستوصلته فأجزل صلتها، و قضى حوائجها، فلمّا
[١] انظر، المصادر السّابقة، و تأريخ دمشق: ٢/ ٣٧٥، الصّالح الكافي: ١/ ٤٤٠، ديوان عدي: ٥٦.
[٢] في بعض المصادر: ليس نعرف.
[٣] في بعض المصادر: تارات بنا و تصرف.