الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٦١ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
و منها: ما وقع للخليفة العباسي محمّد الأمين بن هارون الرّشيد [١]، لمّا ولّي الخلافة بعد أبيه لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ست و سبعين و مائة، و قتل و هو ابن ثمان و عشرين سنة، قتله طاهر بن حسين من امراء أخيه عبد اللّه المأمون حين تشاغل عن الملك، و تمادى في الغافلة، و اللّهو.
قال إبراهيم بن المهدي: استأذنت على الأمين، و قد اشتدّ الحصار عليه من كلّ جهة فأبى أصحابه أن يأذنوا لي بالدخول إلى أن كابرت و دخلت، و إذا هو قد قطع دجلة بالشّباك، و كان في وسط القصر بركة عظيمة لها مخترق إلى الماء في دجلة، و في المخترق شباك حرير، فسلمت عليه و هو مقبل على الماء، و الخدم، و الغلمان قد انتشروا في تفتيش الماء في البركة، و هو كالواله، فقال: و قد ثنيت بالسلام عليه، لا تؤذني يا عمّ قد ذهبت مقرطتي من البركة إلى دجلة، و المقرطة سمكة كانت قد صيدت له و هي صغيرة، فقرطها بحلقتي ذهب فيها حبّتا درّ، فخرجت و أنا يائس من فلاحه، و قلت: لو ارتدع في وقت لكان هذا الوقت، و كان أصغر سنا من المأمون، و لكن قدمه الرّشيد في ولاية العهد؛ لأجل جلالة خاله عيسى بن جعفر، و تعصب بني هاشم له إذ كان ابن أختهم، و كان الرّشيد أعرف به من هو أولى منهما بالتقدم، و لكنه غلب عليه، و كان الرّشيد يقول: و اللّه إنّي لأعرف في عبد اللّه- يريد المأمون- ابني حزم المنصور [٢]، و نسك المهدي [٣]، و عزّة الهادي، و لو شئت أن
[١] تقدمت حياته.
[٢] الآن نطق صدقا- أيّ الرّشيد- بأنّ المنصور كان حازما مع أولاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا نريد الإطالة في الكلام، بل لا يخفى على المؤرخ بأنّ المنصور الدّوانيقي، هو الّذي قتل في خلافته أبا مسلم الخراساني صاحب دعوته و ممهد مملكته و ... و ... و قتل الأخوين محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن و جماعه كثيرة من آل البيت و هو القائل: «.. إنّما أنا سلطان اللّه في أرضه». انظر، العقد الفريد:- ٤/ ١٨٦، تأريخ الخلفاء: ٢٦٤، الكامل في التّأريخ: ٣/ ٥٦٦، تأريخ الإسلام لحسن إبراهيم: ٢/ ٣٥.
و قد حدد المنصور في إحدى خطبه سياسته بوضوح لا لبس فيها حيث قال بعد أن أخذ بقائم سيفه: «أيّها النّاس! إنّ بكم داء هذا دواؤه، و أنا زعيم لكم بشفائه، فليعتبر عبد قبل أن يعتبر به». انظر، تأريخ الإسلام الدّكتور حسن إبراهيم: ٢/ ٣٥.
و هو الّذي عذب أبا حنيفة و حبسه، و جلده و دس إليه السّم لرفضه ولاية القضاء، بل إنّه كأسلافه يأخذ بالشبهة، و الظّن و ما يجري في نية الفرد، حتّى يصل الأمر إلى حد الإعدام، و هكذا اشتهر المنصور بقتل الكثيرين ظلما، و عدوانا، و خاصة من أهل البيت العقد الفريد: ٤/ ١٨٦.، ثمّ قال في إحدى خطبه «... إنّ من نازعنا هذا القميص أوطأناه ما في هذا الغمد ... و من نكث بيعتنا فقد أباح دمه لنا». فى التّأريخ العباسيّ الدّكتور أحمد مختار العباديّ: ٦٧. و قد كتب في وصيته لابنه المهديّ: «أنّي تركت لك النّاس ثلاثة أصناف: فقيرا لا يرجوا إلّا غناك، و خائفا لا يرجو إلّا أمنك، و مسجونا لا يرجو الفرج إلّا منك! ...» انظر، تأريخ الخلفاء: ٢٢٢.
و هو الّذي استدعى الإمام الصّادق (عليه السّلام)، مرات عديدة فالمرّة الاولى ذكرها صاحب مهج الدّعوات:
١٧٥، و المرة الثّانية: ١٨٤، و الثّالثة: ١٨٦، و الرّابعة: ١٨٨، و الخامسة: ١٩٢، و السّادسة: ١٩٨، و السّابعة: ٢٠١ و اخرى في الحيرة ذكرها في: ٢١٢، و تاسعة: ٢١٣.
و هو الّذي دسّ السّمّ إليه و قتله، انظر، دلائل الإمامة: ١١١ بلفظ «سمّه- أي الإمام الصّادق (عليه السّلام)- المنصور فقتله» إسعاف الرّاغبين: ٢٥٣، مشارق الأنوار للبرسي: ٩٣، إثبات الهداة: ٥/ ٤٢٣ ح ١٦٤، المناقب لابن شهرآشوب: ٣/ ٣٩٩، إقبال الأعمال للسيّد ابن طاوس: ٩٧، الإرشاد للشيخ المفيد: ٢/ ١٨٢- ١٨٤، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي: ٣/ ١١٢ و ١١٣ طبعة اسوة، الصّواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي: ٢٠١- ٢٠٢.
[٣] لا ندري متى جاء النّسك للمهدي، أ حين سلّم الأمر ليعقوب بن داود، أم حين انصرف للهو، و البذخ، و اللّعب، و قضاء شهواته، و ملذاته، و لذا قال فيه بشار بن برد:
بني أميّة هبو طال نومكم* * * إنّ الخليفة يعقوب بن داود
انظر، قصته في الآداب السّلطانية للفخري: ١٨٤، و تأريخ التّمدن الإسلامي: المجلد الأوّل ج ٢/ ٤٠٧، تأريخ الطّبري: ٦/ ٤٠٥، طبعة الاستقامة.