الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٥٠٤ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
و يحكى أنّ ملكا من ملوك اليونانيين، قام من منامه في بعض الغدوات، فأتته جارية بثيابه فلبسها، ثمّ قال لها: يا جارية هل فيّ عيب، فأنشدت [١]:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى* * * غير أنّ لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب* * * عابه النّاس [٢] غير أنّك فاني
ثمّ ناولته المرآة فنظر فيها، فرأى وجهه، و رأى شيبة في لحيته، فقال: هاتي المقراض يا جارية! فأتته به، فقص الشّيبة، فتناولتها الجارية في كفها و أصغت إليها بأذنها، و الملك يتأملها، و كانت فصيحة لبيبة، فقال لها الملك: ما تصنعين فقالت:
أسمع ما تقول هذه الشّيبة الّتي عظم مصابها لمفارقة الكرامة العظمى حين سخطها الملك فأقصاها، فقال لها الملك: و ما الّذي سمعت من قولها، فقالت: زعم قلبي أنّه سمعها تقول كلاما لا يجترئ لساني على النّطق به، لاتقاء سطوة الملك، فقال لها الملك: قولي و عليك الأمان ما لزمت الوقار، و اسلوب الحكمة، فقالت: أنّها تقول:
أيّها الملك المسلط عليّ إنّي كنت ظننت بك أن تبطش بي، و تعتدي عليّ إذا ظهرت، فلم أظهر على سطح جسدك حتّى بضت و حضنت بيضي، فأفرخ لي بنات، و عهدت إلى تلك البنات عهدا إنّي لا أخذ بثاري إذا أنت خفرت جواري، و كأنّى بهن
[١] تنسب هذه الأبيات إلى جارية سليمان بن عبد الملك، قالتها عند ما نظر سليمان في المرآة، و قال: أنا الملك الشّاب، كما جاء في تفسير القرطبي: ٦/ ٤١٤، و في تأريخ مدينة دمشق: ٣١/ ٢٩٦، و لكن نسبها إلى مصعب بن عثمان لموسى شهوات، و كذلك في تهذيب الكمال: ١٥/ ٣٦٥، و ابن خلكان:
٢/ ٤٢١، الطّبري: ٨/ ١٢٧، ابن الأثير: ٥/ ٣٧. و لكن من خلال تكملة القصة أنّها كما قال المصنف لأحد ملوك اليونان، و إلّا لم نجد في سيرة سليمان بن عبد الملك هذا السّلوك، على الرّغم من أنّه أطلق سراح في يوم واحد (٨١) ألفا من الأسرى، و وجد (٣٠) ألفا ممن لا ذنب لهم، و (٣٠) ألف امرأة، و كلّ هذه من أفعال الحجاج بن يوسف الثّقفي. انظر، تهذيب ابن عساكر: ٤/ ٨٣، البداية و النّهاية: ٩/ ١٤٢.
[٢] في بعض المصادر: كان في النّاس.