الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٣٤ - الباب السّابع في حكايات مكارمهم الكثيرة، و مراحمهم الشّهيرة
أحد من قول الحقّ فيما طوقتك. فقد وجبت عليك إذا الأمانة فيما حملتك، و اللّه خير من روعي، و خيف، إنّه بنا خبير لطيف. فلما لم يجد بدا من القول، و الإشارة، قال أي بنية ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أحبّ إليّ لك، و أرضى عندي، و اللّه أعلم بخيرهما لك، و قد رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، واضعا شفتيه على شفتي حسين، فضعي شفتيك حيث وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شفتيه، قالت: قد اخترته، و رضيته، فتزوجها الحسين بن عليّ رضي اللّه عنهما، و ساق لها مهرا عظيما، و بلغ معاوية الّذي كان من فعل أبي الدّرداء في ذلك، و نكاح الحسين إيّاها، فتعاظمه جدا، و لامه شديدا، و قال: من يرسل ذا بله، و عمى يركب خلاف ما يهوى.
و كان عبد اللّه بن سلام قد استودعها قبل فراقها بدرات مملوءة درا، و كان ذلك أعظم ماله لديه، و أحبّه إليه، و قد كان معاوية اطّرحه، و قطع عنه جميع روافده لسوء قوله فيه، و تهمته أنّه خدعه، فلم يزل يجفوه حتّى عيل صبره، و قل ما في يديه، و لام نفسه على المقام لديه. فرجع إلى العراق، و هو يذكر ماله الّذي استودعه إيّاها، و لا يدري كيف يصنع فيه، و أنى يصل إليه، و هو يتوقع جحودها لسوء فعله بها، و طلاقه إيّاها من غير شيء أنكره عليها.
فلمّا قدم العراق لقي حسينا فسلم عليه، ثمّ قال له: قد عرفت ما كان من خبري، و خبر أرينب، و كنت قبل فراقي إيّاها قد استودعتها مالا عظيما، و كان الّذي كان، و لم أقبضه، و و اللّه ما أنكرت منها في طول صحبتها فتيلا، و لا أظن بها إلّا جميلا، فذاكرها أمري، و حاضضها على رد مالي إليّ، فإنّ اللّه يحسن إليك ذكرك، و يجزل به أجرك، فسكت عنه.
و لمّا انصرف حسين إلى أهله، قال لها: قدم عبد اللّه بن سلام، و هو يحسن الثّناء عليك، و يحمل النّشر عنك في حسن صحبتك، و ما آنسه قديما من أمانتك، فسرني بذلك، و أعجبني، و ذكر أنّه كان استودعك مالا فأدي إليه أمانته، وردي عليه ماله،