الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٧٣ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
عليّ، و هم أحبّ إليّ، قال: فتحكمي عليّ بغيرهم، قالت: بل، وهبتك هو و جعلتك في حلّ، و قامت عنه، و بقي مبهوتا لا يحير لفظة.
قال سهل: فخرجت فلم تعد، و لا و اللّه إن رأت عيني لعينها عبرة، و لا سمعت أذني لنعيها أنّة، و احتجبت، و احتسبت، و لم تشفع بعدها، و لم تر الرّشيد حتّى وقع بيحيى ما وقع و مات الرّشيد، و ماتت.
قال سهل: و كان الأمين [١] بن زبيدة رضيع يحيى بن خالد فمت إليه يحيى بذلك فوعده استيهاب أمّه إياهم، و تكليمها لهم، ثمّ شغله اللّهو عنهم.
و كتب إليه يحيى هذه الأبيات [٢]:
يا ملاذي و عصمتي و عمادي* * * و مجيري من الخطوب الشّداد
بك قام الرّجاء في كلّ قلب* * * زاد فيه البلا بكل مراد
إنّما أنت نعمة أعقبتها* * * أنعم نفعها لكلّ العباد
ما أظلت سحابة اليأس إلّا* * * كان في كشفها عليك اعتمادي
إن تراخت يداك عني فواقا* * * أكلتني الأيام أكل الجراد
و بعث بها إلى الأمين فدفعها الأمين إلى أمّه زبيدة، فأعطتها هارون الرّشيد و هو في موضع لذّته عند إقبال أريحيته، و تهيأت عند ذلك للاستشفاع لهم، و غنت جواريها، و مغنياتها، و أمرتهنّ بالقيام إذا قامت، فلمّا فرغ الرّشيد من قراءتها، لم ينفض حبوته حتّى وقّع في أسفلها عظيم ذنبك أمات خواطر الصّفح عنك، و رمى بها إلى زبيدة، فلمّا قرأت توقيعه علمت أنّه لا يرجع عنهم [٣].
[١] ما أثبتناه من المصدر، و عند الماتن: محمّد.
[٢] تنسب هذه الأبيات إلى سليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد، كما في الإمامة و السّياسة.
[٣] انظر، الإمامة و السّياسة لابن قتيبة: ٢/ ٣٢٩، تأريخ اليعقوبي: ٢/ ٤٢٣، العقد الفريد: ٥/ ٦٩.