الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٩٨ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
أطلق سأل عن جماعة من إخوانه فأخبر بموتهم، فأنشد [١]:
لكل أناس مقبر بفنائهم* * * فهم ينقصون و القبور تزيد
و هم خيرة الإخوان أمّا محلهم* * * فدان و أمّا الملتقى فبعيد
و من الحوادث العجيبة، و نكبات الدّهر الغريبة، ما وقع للأمير سلّار وزير السّلطان بيبرس الجاشنكير [٢] من ملوك الأتراك، من موته جوعا و في خزائنه من الأموال ما لا يخطر مثله على بال كما نقله أئمة الأخبار في حوادث سنة تسع و سبعمائة، و ذلك حين استشعر الملك النّاصر محمّد بن قلاون الصّالحي الغدر من الجند فتحيّل، و سافر إلى الكرك، و مكث هناك فاتّفق الجند على سلطنة بيبرس، و وزارة سلّار، فلما استقر بيبرس في السّلطنة، و مكث شهرا تحيّل النّاصر و استمال الجند، و قدم إلى القاهرة في جيش كبير، و قتل سلطانها بيبرس، و سجن الوزير سلّار، فأحضروا له طعاما يأكله في السّجن، فامتنع منه غمّا، فبلغ ذلك النّاصر فمنع الطّعام عنه حتّى مضت أشهر لا يفتح عليه السّجن فمات جوعا، قال بعض من دخل عليه من بعد موته: وجدناه قد أكل فردة من مداسه و أكل نصف الثّانية و مات، و باقيها بفمه، قال الشّيخ محمّد بن شاكر اللّيثي [٣] وجدت مكتوبا بخط الإمام
[١] تنسب هذه الأبيات إلى بعض الأعراب، كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٧/ ٢٣٥، و في تفسير الطّبري: ٢٠/ ١٧٠، نسبها إلى عبد اللّه بن قطبة الحنفي، نقلا عن تاج العروس: ٣/ ٤٨٧، الصّحاح: ٢/ ٧٨٤، لسان العرب: ٥/ ٦٨.
[٢] الجاشنكير: هو الّذي يتصدى لذوقان المأكول و المشروب قبل السّلطان، أو الأمير خوفا من أن يدس عليه فيه السّم. و هو مركب من لفظين فارسيين: جاشنا: و معناه الذّوق، و كير: بمعنى التّعاطي.
(صبح الأعشى: ٥/ ٤٦٠). و هو من مماليك مصر و الشّام، شركس الأصل كما جاء في الأعلام:
٧/ ١١، النّجوم الزّاهرة: ٨/ ٢٣٢، السّلوك للمقريزي: ٢/ ٤٥، معجم المؤلفين لكحالة: ١٠/ ٦٧، البداية و النّهاية: ١/ ٢٣٧، تأريخ ابن خالدون: ٥/ ٤٠٩ و ٤٢٣ و ٥٤٨، سبل الهدى و الرّشاد: ٣/ ٣٤٢.
[٣] هو صلاح الدّين بن الشّيخ محمّد بن شاكر اللّيثي. انظر، ترجمته في كشف الظّنون: ٢/ ١١٨٥، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ لابن الدّمشقي: ٢/ ٢٧٩، البداية و النّهاية: ١٤/ ٣٤٥.