الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي، جمال الدين - الصفحة ٤٩٥ - الباب الثّامن في حوادث الزّمان، و ما أوقعه الدّهر الخوان بالأكابر، و الأعيان
روي بتدبير الملك أنّ المهدي حجّ في بعض السّنين، و مال إلى ظل يتظلل به فرأى مكتوبا في ذلك المكان:
للّه درك يا مهدي من رجل* * * لو لا اصطفاؤك يعقوب بن داود
فقال لمن معه: اكتب تحته على رغم أنف الكاتب لهفا له، و تعسا لجده.
ثمّ بعد ساعة أعاد النّظر إلى الكتابة فكأنّها أثرت شيئا، و كان يعقوب قد ضجر من كثرة أقوال عداه فيه، فسأل المهدي الإقالة، و يقعد في بيته تاركا أمور الدّولة فأمتنع المهدي.
و كان بنو العباس يكرهون العلوية ذرّية الحسن، و الحسين رضي اللّه عنهما و يخافون منهم على ملكهم، فأراد المهدي أن يمتحن يعقوب بن داود في ميله إلى العلوية، و هم ذرّية عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه، فدعا يوما بيعقوب و هو في مجلس قد فرشه بأفخر الفراش، و غشّاه بأنواع الورد، و عليه ثياب موردة، و على رأسه جارية عليها ثياب موردة، و هو مشرف على بستان فيه من أصناف الأشجار، و من أنواع الورد، فقال له المهدي: كيف ترى مجلسنا هذا يا يعقوب، قال: في غاية الحسن متع اللّه أمير المؤمنين به، فقال له: جميع ما فيه لك، و هذه الجارية لك ليتم سرورك، و قد أمرت لك بمائة ألف درهم، فدعا له بالبقاء، و قبّل يده، فقال له المهدي: لي إليك حاجة، فقام يعقوب قائما، و قال يا أمير المؤمنين: ما هذا القول إلّا لمؤاخذة، و أنا استعيذ باللّه من سخطك، فقال: أحبّ أن تضمن لي قضاها، فقال يعقوب: سمعا و طاعة، فقال له: و اللّه، فقال له: و اللّه ثلاثا، فقال له المهدي: ضع يدك على رأسي و أحلف به، ففعل ذلك، فلمّا استوثق به، قال له: اريد منك فلان بن فلان رجل من العلوية، أحبّ أن تكفني، و تريحني منه، فخذه إليك، و أفعل ما أمرتك به، و حوّل هذه الفرش، و الجارية، و ما كان في المجالس كلّه من المال. فأخذ يعقوب الجارية