حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٦٤
كما فى قولنا:" العلم كالحس" فى كونهما إدراكا (أو مختلفان) بأن يكون المشبه عقليا، و المشبه به حسيا (كالمنية و السبع) فإن المنيّة؛ أى: الموت عقلىّ؛ لأنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة، و السبع حسىّ، أو بالعكس (و) ذلك (مثل: العطر) الذى هو محسوس مشموم (و خلق كريم) ...
العلم و الحياة الملابسة لمطلق الإدراك، و ملابسة مطلق الإدراك لا شرف فيه لوجوده فى البهائم، فلا يثبت شرف العلم مع كونه هو المقصود من التشبيه (قوله: كما فى قولنا) تشبيه فى النفى، أى: فى كما أن الفائدة التى فى قولنا:" العلم كالحس" أى: كالإحساس و هو الإدراك بالحاسة ليست كبيرة (قوله: فى كونهما إدراكا) أى: فى كون كلّ إدراكا، فالجامع مطلق الإدراك (قوله كالمنيّة و السبع) أى: حيث يشبه الأول بالثانى بأن يقال: المنية كالسبع فى اغتيال النفوس، أى: و السبع حسىّ، و السبع بفتح الباء و ضمها و سكونها: المفترس من الحيوان باعتبار إدراك أفراده بالحاسة، و إلا فالسبع أمر كلىّ فيكون معقولا أو جعل ذلك الأمر الكلىّ محسوسا باعتبار انتزاعه من الجزئيات المحسوسة (قوله: لأنه عدم الحياة) أى: و لا شك أن هذا العدم أمر عقلىّ لا يدرك بالحواس، و جعله الموت عدميّا هو مذهب بعضهم، و الحق أنه صفة وجودية تقوم بالحيوان عند خروج روحه؛ لقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ [١] و كون الخلق بمعنى التقدير مجاز لا داعى إليه (قوله: عمّا من شأنه) ضمن العدم معنى النفى فعداه بعن، و" ما" واقعة على الشىء، أى: نفى الحياة عن الشىء الذى من شأنه، أى: من أمره و صفته الحياة بالفعل، فنفيها عن الحيوان قبل وجودها كما فى قوله تعالى: وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [٢] مجاز شائع كوصف الأرض بالموت عند ذهاب خضرتها- كذا فى شرح المقاصد للشارح، و ذكر بعضهم أن الموت نفى الحياة عما من شأنه أن يتصف بها سواء اتصف بها بالفعل أم لا، و هو الموافق لقوله تعالى: وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ فإن الأصل فى الإطلاق الحقيقة، و كون الموت متعارفا فى زوال الحياة لا يقتضى أن يكون ذلك معناه الحقيقى فإنه يغلب الكلىّ فى فرد من أفراده (قوله: أو بالعكس) بأن يكون المشبه به عقليّا و المشبه حسيّا (قوله: و ذلك مثل العطر و خلق كريم)
[١] الملك: ٢.
[٢] البقرة: ٢٨.