حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢١٣
(من أمور أكثر كان التشبيه أبعد) لكون تفاصيله أكثر (و) التشبيه (البليغ ...
قال العلامة عبد الحكيم: إنما قابل الخيالى بالعقلى مع أن المقابل للعقلى إنما هو الحسى؛ لأن التركيب لا يكون حسيا (قوله: من أمور) خبر كان (قوله: أبعد) أى: عن الابتذال (قوله: لكون تفاصيله أكثر) فيبعد تناوله لمطلق الناس، و إنما يتناوله حينئذ الأذكياء و ذلك كما فى قوله تعالى إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ ... الآية، فإنها عشر جمل مرتبط بعضها ببعض قد انتزع وجه الشبه من مجموعها، و بيان ذلك يظهر بتلاوة الآية: قال اللّه تعالى: [١] إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ فالمشبه به مركب من عشر جمل بعدّ" و ظن أهلها" جملة،" و أنهم قادرون عليها" جملة أخرى، تداخلت تلك الجمل حتى صارت كأنها جملة واحدة، و معنى فاختلط به نبات الأرض:
فاشتبك به نبات الأرض مما يأكل الناس و الأنعام من الزرع و البقول، و قوله: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها أى: حتى إذا تزّينت بزخرفها، و الزخرف فى الأصل: الذهب، و قوله: و ازّيّنت أى: تزيّنت تفسير لما قبله، و قوله: و ظن أهلها أى: أهل النبات و أنث ضميره لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، و قوله: قادرون عليها أى: على حصدها و رفع غلّتها، و قوله: فجعلناها أى: النبات حصيدا أى: شبيها بما حصد، و قوله: كأن لم تغن بالأمس أى: كأنها لم تنبت و لم تكن قبل ذاك من زمان قريب غاية القرب، يقال غنى بالمكان: أقام به، فقد شبّه فى الآية مثل الحياة الدنيا أى: حالتها العجيبة الشأن و هى تقضيها بسرعة و انقراض نعمها بغتة بالكلية بعد ظهور قوتها، و اغترار الناس بها و اعتمادهم عليها- بزوال خضرة النبات فجأة و ذهابه حطاما لم يبق له أثر أصلا بعد ما كان غضّا طريّا قد التفّ بعضه ببعض و زيّن الأرض بأنواره و طراوته و تقوّيه بعد ضعفه، بحيث طمع الناس فيه و ظنّوا سلامته من الجوائح، و وجه الشبه: هيئة منتزعة من
[١] يونس: ٢٤.