حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٨٣
و جعل الكلام خلوا عنه و نقل الحديث إلى المشبه به و قد وقع فى بعض أشعار العجم النهى عن التعجب مع التصريح بأداة التشبيه و حاصله لا تعجبوا من قصر ذوائبه فإنها كالليل و وجهه كالربيع و الليل فى الربيع مائل إلى القصر ...
ينافيه الاعتراف بالأصل كما قررت كان البناء على الفرع عند ذكر الأصل ممتنعا فكيف يدعى جوازه؟ قلت: تناسى التشبيه عند جحد الأصل ظاهر، و أما عند ذكره فنقول: المنافى للبناء على الفرع هو ذكر المشبه مع الإشعار بأنه باق على أصله و هو أنه لم يقو قوة المشبه به و مجرد ذكر الطرفين لا إشعار فيه بما ذكر، فيتأتى معه تناسى التشبيه بأن يجعل الطرفان و لو ذكرا متحدين و يدعى أنهما شىء واحد فى الحقيقة، و إنما اختلفا بالعوارض التى لا ينافى بناؤها هذا التناسى لأصل التشبيه، و هذا ظاهر فى التشبيه الخالى عن الأداة، و أما عند ذكرها ففيه بعد؛ لأن الأداة تشعر بضعف المشبه عن المشبه به، و قد يقال: يمكن دعوى الاتحاد فيه أيضا، إذ لا مانع من تشبيه أحد المتحدين فى الحقيقة بالآخر بآلة التشبيه، و تحصل مما تقدم أن الاعتراف بالأصل المنافى للبناء على الفرع بحسب الظاهر فقط و أما عند جحد الأصل فليس هناك مناف للبناء على الفرع لا بحسب الظاهر و لا فى الواقع- فتأمل.
(قوله: و جعل الكلام خلوا عنه) أى: لأنه تنوسى التشبيه و ادعى دخول المشبه فى جنس المشبه به و أنه فرد منه (قوله: و قد وقع إلخ) هذا مغاير لما سبق فى المتن؛ لأن ما سبق فيه البناء على الفرع و هو المشبه به مع الاعتراف بالأصل من غير ذكر لأداة التشبيه و ما هنا فيه البناء على الفرع مع الاعتراف بالأصل و التصريح بأداة التشبيه و هذا مما يقرر الكلام المذكور (قوله: لا تعجبوا من قصر ذوائبه) أى: شعره (و قوله: كالربيع) أى: فى البهجة و النضارة (قوله: و الليل فى الربيع مائل إلى القصر) من المعلوم أن المائل إلى القصر فى الربيع الليل الحقيقى، و الذى لا يتعجب من قصر ليله هو الربيع، فلما تنوسى التشبيه و ادعى أن الذوائب نفس الليل الحقيقى، و أن وجه المحبوب نفس الربيع الحقيقى؛ نهى من التعجب من قصر الذوائب التى هى الليل الحقيقى الكائن فى زمان الربيع، فقد بنى على الفرع ما يناسبه مع الاعتراف بالأصل و التصريح بالأداة- فتأمل.