حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣١٩
لتفريق الجماعة، و إبعاد بعضها عن بعض فى قوله تعالى: وَ قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً [١]، و الجامع إزالة الاجتماع الداخلة فى مفهومها، و هى فى القطع أشد،
تقرير شيخنا العدوى. (
(قوله: الداخلة فى مفهومهما) أى: فى مفهوم التقطيع و التفريق، و ذلك لما علمت أن مفهوم التقطيع: إزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقا بعضها ببعض، و أن مفهوم تفريق الجماعة و إبعاد بعضها عن بعض: إزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة غير ملتزقة، فقد أخذ الجامع- و هو إزالة الاجتماع- فى حد كلّ منهما على أنه جنس له، و قيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقا بعضها ببعض فصلا فى الأول مميزا له عن الثانى، و قيد كونها غير ملتزقة فصلا فى الثانى مميزا له عن الأول (قوله: و هى) أى: إزالة الاجتماع فى القطع- أشد أى: أقوى لتأثيرها فى الاتصال الأشد، و تقرير الاستعارة فى الآية المذكورة أن يقال: اعتبر تشبيه التفريق بالتقطيع بجامع إزالة الاجتماع فى كلّ و استعير التقطيع للتفريق، و اشتق من التقطيع قطّعنا بمعنى فرّقنا فهى استعارة تصريحية تبعية (قوله:
و الفرق .. إلخ) هذا جواب عما يقال: إنهم جعلوا إطلاق التقطيع على تفريق الجماعة استعارة، و جعلوا إطلاق المرسن- الذى هو: اسم لمحل الرسن- أعنى: أنف الدابة على أنف الإنسان- مجازا مرسلا، مع أنه قد اعتبر فى كلّ من المعنى الحقيقى للتقطيع، و المرسن وصف خاصّ به غير موجود فى المعنى المستعمل فيه اللفظ مجازا؛ و ذلك لأن المرسن اعتبر فى المعنى الذى وضع له ذلك اللفظ خصوص كونه أنفا لبهيمة يجعل فيه الرسن، و التقطيع اعتبر فى المعنى الذى وضع له الالتزاق فى الأشياء التى زال اجتماعها، و حيث اعتبر فى المعنى الحقيقى لكلّ من اللفظين وصف خاص به لم يوجد فى معناه المجازى فلم جعل إطلاق التقطيع على تفريق الجماعة استعارة و إطلاق المرسن على أنف الإنسان مجازا مرسلا؟ و هلّا جعل كل منهما مجازا مرسلا أو استعارة، و ما الفرق بينهما؟
[١] الأعراف: ١٦٨.