حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٩٤
(هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؟ أى: هم متناسبون فى الشرف) يمتنع تعيين بعضهم فاضلا و بعضهم أفضل منه (كما أنها) أى: الحلقة المفرغة (متناسبة الأجزاء فى الصورة) يمتنع تعيين بعضها طرفا، و بعضها وسطا؛ لكونها مفرغة مصمتة الجوانب كالدائرة.
و الجملة صلة لأى، و المفعول الثانى محذوف أى: إن كنت أعلم الذى هو أفضل كائنا منهم، و لكن المناسب الأوّل لأجل التطابق بين السؤال و الجواب؛ لأن السؤال لها بلفظ أيهم الاستفهامية فيناسب أن تكون الواقعة فى جوابها كذلك (قوله: المفرغة) هى التى أذيب أصلها من ذهب أو فضة أو نحاس أو نحو ذلك، و أفرغت فى القالب فلا يظهر لها طرف بل تكون مصمتة الجوانب أى: لا انفراج فيها، ثم إنه لا يلزم من نفى الانفراج نفى التربيع و التثليث مثلا، و لكن المراد ما كان كالدائرة ليتحقق التناسب فى الشكل و الوضع فتصير بذلك ذات إحاطة نهاية واحدة كالدائرة، و بهذا تعلم أنه ليس المراد بكونها مصمتة كونها لا جوف لها، و إنما قيد الحلقة بكونها مفرغة؛ لأن المضروبة يعلم طرفاها بالابتداء و الانتهاء، و لأنها تتفاوت فلا تتناسب أجزاؤها (قوله: لا يدرى أين طرفاها؟) فيه أن هذا يقتضى أن الدائرة المفرغة لها طرفان لكن لا يعلمان فى أى محل مع أنه لا طرف لها أصلا؟، و أجيب بأنا لا نسلم أن نفى دراية طرفيها يستلزم وجود الطرفين؛ لأن السالبة لا تقتضى وجود الموضوع (قوله: أى هم متناسبون فى الشرف) هذا إشارة للوصف المتضمن لوجه الشبه الكائن فى الطرفين؛ و ذلك لأن وجه الشبه المشترك بين الطرفين التناسب الكلى الخالى عن التفاوت، و إن كان ذلك التناسب فى المشبه تناسبا فى الشرف و فى المشبه به تناسبا فى صورة الأجزاء، و ما ذكره المصنف من التناسب فى الشرف مختصّ بالمشبه به، و لكنه يتضمن وصف كلّ منهما بالتناسب الخالى عن التفاوت بواسطة الانتقال من تناسبهم فى الشرف إلى تناسب أجزاء الحلقة، و لا يخفى أن هذا الوجه الذى بين الطرفين فى غاية الدقة لا يدركه إلا الخواصّ (قوله: مصمتة الجوانب) أى: لا انفراج فيها بل متصلة من كل جانب (قوله: كالدائرة) فيه أن الحلقة من أفراد الدائرة فكيف تشبه بها؟ و أجيب بأن المراد كالدائرة التى ليست حلقة بل المتداولة فى الأشكال عند الحكماء.