حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٩٢
للقطع بأن المقصود هاهنا سؤال أهل القرية، و إن جعلت القرية مجازا عن أهلها
علة لمحذوف أى: و إنما لم يجعل على ظاهره للقطع باستحالة المجىء على اللّه تعالى؛ و ذلك لأن المجىء عبارة عن الانتقال من حيز إلى آخر بالرجل و هو مخصوص بالجسم الحى الذى له رجل، و مطلق الجوهرية مستحيلة على اللّه تعالى فضلا عن الجسمية المخصوصة، فإذا لم يحمل هذا الكلام على ظاهره لاستحالته وجب حمله على وجه يصح، فقدر المضاف و هو الأمر ليصح هذا الكلام الصادق، و القرينة على ذلك المقدر الامتناع العقلى، فإن قلت كما يستحيل المجىء على الرب يستحيل أيضا مجىء أمره، لأن المراد بأمره حكمه المحكى عنه و هو معنى من المعانى، و قد علمت أن المجىء مخصوص بالجسم الحى قلت: الأمر و إن كان المجىء محالا عليه أيضا، إلا أنه يصح إسناد المجىء إليه مجازا ليكون كناية عن بلوغه للمخاطبين، فيقال على وجه الكثرة، جاء أمر السلطان إلينا أى: بلغنا و إن كان الجائى فى الحقيقية حامله، و هذا الإسناد كثير حتى قيل: إنه حقيقة عرفية بخلاف إسناد المجىء إليه تعالى، فإنه لا يصح حقيقة و لا مجازا لاستحالة بلوغه إلينا فوجب أن يكون الكلام بتقدير المضاف ليصح الكلام و لو بالتجوز فى المقدر أيضا كذا قال بعضهم، و أورد عليه أن امتناع وجه من التجوز و هو كون الإسناد إليه تعالى كناية عن البلوغ لا يقتضى امتناع تجوز آخر فلا يتعين الإضمار، إذ يمكن أن يقال: أسند المجىء إليه تعالى لكونه آمرا بالأمر و بإبلاغه فهو كالإسناد إلى السبب الآمر فيكون من المجاز العقلى، و عليه فيخرج الكلام عما نحن بصدده اه يعقوبى [١]
(قوله: للقطع إلخ) أى: و إنما حمل على تقدير المضاف للقطع بأن المقصود من الآية سؤال أهل القرية لا سؤالها نفسها؛ لأن القرية عبارة عن الأبنية المجتمعة و سؤالها و إجابتها خرق للعادة، و إن كان ممكنا لكن ليس مرادا فى الآية، بل المراد فيها سؤال أهلها للاستشهاد بهم فيجيبوا بما يصدق أو يكذب؛ لا سؤالها؛ لأن الشاهد لا يكون جمادا
[١] و الذى عليه أهل السنة و الجماعة فى هذا الأمر أن المجىء على حقيقته لكنه تعالى يجىء مجيئا يليق بجلاله و كماله، بلا تعطيل و لا تكييف.