حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٧٨
إنما يظنه الجهول، و أما العاقل فيعرف أنه لا حاجة له فى السماء لاتصافه بسائر الكمالات و هذا المعنى مما خفى على بعضهم فتوهم أن فى البيت تقصيرا فى وصف علوه حيث أثبت هذا الظن للكامل الجهل بمعرفة الأشياء (و نحوه) أى مثل البناء على علو القدر ما يبنى على علو المكان لتناسى التشبيه (ما مر من التعجب) فى ...
و يترتب عليه لا على علو القدر، ثم إن ظن الجهول أن له حاجة فى السماء لم ينقل من معناه الأصلى الملائم للمستعار منه لمعنى ملائم للمستعار له، و إنما هو ذكر لازم من لوازم المشبه به لإظهار أنه الموجود فى التركيب لا شىء شبيه به، و بهذا يعلم أن الترشيح قد يستعمل فى معناه الأصلى الملائم للمستعار منه- و ليس ذلك من الكذب؛ لأن الغرض إفادة المبالغة و تقوية الاستعارة بذكر اللازم و ذلك كاف فى نفى الكذب كما أنه قد ينقل من معناه الأصلى لمعنى ملائم للمستعار له (قوله: إلى أن هذا) أى: كونه له حاجة فى السماء (قوله: إنما يظنه الجهول) أى: لأنه الذى لا كمال لعقله (قوله:
لاتصافه بسائر الكمالات) أى: فلم يكن هناك كمال لم يتصف به حتى إنه يحتاج له فيطلبه من جهة السماء، و حيث كان العاقل يعرف أنه لا حاجة له فى السماء لاتصافه بسائر الكمالات- كان عالما بأن إفراطه فى العلو لمجرد التعالى على الأقران، و فى قوله:
لاتصافه إلخ إشارة إلى أن المراد بالحاجة المنتفية هنا المعتادة للطلب فى الأرض، فلا يرد أن نفى حاجة السماء سوء أدب لما فيه من نفى الحاجة إلى الرحمة السماوية و التوجه لها بالدعاء لا بالصعود (قوله: و هذا المعنى) أى: التفصيل بين العاقل و الجاهل (قوله: فتوهم أن فى البيت إلخ) منشأ ذلك التوهم أن القصد من البيت الإشارة بمزيد صعوده المشار له بقوله: حتى يظن إلخ إلى علو قدره، و إذا كان مزيد الصعود إنما هو فى ظن كامل الجهل لا العارف بالأشياء فلا يكون له ثبوت فلا يحصل كبير مدح بذلك، و حاصل الرد أن مزيد الصعود مجزوم به و مسلم من كل أحد، و إنما النزاع فى أنه هل له حاجة فى السماء أم لا فذكر أن كثير الجهل هو الذى يتوهم أن ذلك الارتقاء المفرط لحاجة، و أما العاقل ذو النظر الصحيح فيعلم أن ذلك الإفراط فى العلو لمجرد التعالى على الأقران لا