حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٦
أى: ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية، أو أصول و قواعد معلومة ...
و ذلك لأن البديع علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة و وضوح الدلالة كما يأتى، فلا جرم أنه لا تعلق له بالبلاغة، و إنما يفيد حسنا عرضيّا للكلام البليغ، و كلام الشارح المذكور يشير إلى أن البديع من توابع البلاغة و هو ما جزم به بعضهم خلافا لمن قال: إنه من تتمة علم المعانى، و لمن قال: إنه قال من تتمة علم البيان.
(قوله: أى ملكة) هى كيفية راسخة فى النفس حاصلة من كثرة ممارسة قواعد الفن (قوله: يقتدر بها إلخ) الإتيان بهذا نظرا لشأن الملكة فى ذاتها و إن كان متروكا فى الملكة الواقعة فى التعريف؛ لئلا يلزم التكرار مع قوله: يعرف به إلخ (قوله: أو أصول و قواعد معلومة) عطف على ملكة إشارة إلى أن المراد بالعلم هنا إما الملكة أو الأصول بمعنى القواعد المعلومة؛ لأن بها يعرف إيراد المعانى بطرق مختلفة فى الوضوح و الخفاء و إنما قيد القواعد بالمعلومة؛ لأنه لا يطلق عليها علم بدون كونها معلومة من الدلائل و إنما كان المراد بالعلم هنا أحد الأمرين المذكورين؛ لأن العلم مقول بالاشتراك على هذين المعنيين فيجوز إرادة كل منهما، و لا يقال: يلزم على ذلك استعمال المشترك فى التعريف بلا قرينة معينة و ذلك لا يجوز؛ لأنا نقول: محل منع استعمال المشترك فى التعريف إذا أريد أحد معنييه أو معانيه فقط، و أما إذا صح أن يراد به كل معنى فإنه يجوز كما هنا فإنه يجوز إرادة كل من الملكة و الأصول كما أشار إليه الشارح؛ لأن علة المنع الوقوع فى الحيرة من جهة أنه لا يدرى المعنى المراد من المشترك، و هذا ينافى الغرض من التعريف من البيان و الكشف على أن محل منع استعمال المشترك فى التعريف إذا لم يكن بين المعنيين مثلا استلزام، و أما إذا كان بينهما ذلك فإنه يجوز كما هنا؛ لأن تعريف كل منهما يستلزم الآخر؛ لأن الملكة كيفية راسخة فى النفس يقتدر بها على إدراكات جزئية و الإدراكات الجزئية ينشأ عنها القواعد؛ لأن القواعد شأنها أن تحصل من تتبع الجزئيات، و القاعدة قضية كلية يتعرف منها أحكام جزئيات موضوعها و القضايا المذكورة ينشأ عنها الملكة بسبب ممارستها فقد استلزم كل منهما الآخر فكانا بمنزلة الشىء الواحد، فالمقصود حينئذ بالتعريف الذى يؤتى به لبيان الحقيقة واحد فكأنه لا اشتراك