حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٢٩
كما فى قوله تعالى: وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [١]. (و أدخل الأعناق فى السير) لأن السرعة و البطء فى سير الإبل يظهران غالبا فى الأعناق، ...
فلو كان فى الأباطح محل خال من الإبل لصدق عليه أنه غير سائر لعدم اشتماله على ما يسير فيه (قوله: و اشتعل الرأس شيبا) أى: انتشر شيب الرأس و ظهر ظهورا تامّا، فأسند الاشتعال الذى هو وصف للشعر الحالّ فى الرأس إلى محلّه و هو الرأس إشعارا بأن ذلك الحالّ و هو الشعر ملأ المحلّ من أجل أن وصف الحالّ انتقل للمحلّ و صار وصفا له، فكل جزء من الرأس إنما وصف بالاشتعال لاشتعال ما فيه، فلو كان جزء منها خاليا من الشعر لصدق عليه أنه غير مشتعل لعدم اشتماله على المشتعل (قوله: و أدخل الأعناق فى السير) أى: أراد بإدخالها فى السير جرّها بباء الملابسة المقتضية لملابسة الفعل لها و أنها سائرة؛ لأن مرجع الملابسة إلى الإسناد، و حينئذ فيكون السيل مسندا للأعناق تقديرا، و ذلك الإسناد مجاز عقلى، و حينئذ ففى الكلام مجازان عقليان: لفظى و هو إسناد السيل إلى الأباطح، و تقديرى و هو إسناده إلى الأعناق، فالبيت مشتمل على ثلاث مجازات أحدها: مجاز بالاستعارة، و الآخران مجازان عقليان، فلما أن أضاف إلى الاستعارة هذين المجازين صارت الاستعارة غريبة (قوله: لأن السرعة و البطء .. إلخ) علّة لمحذوف أى: و إنما أدخل الأعناق فى السير و أسنده لها تقديرا؛ لأن سرعة السير و بطأه يظهران غالبا فيها فهى سبب فى فهم سرعة السير و بطئه، فلما كانت سببا فى فهم ذلك و إدراكه صارت كأنها سبب فى وجود السير، و حينئذ فإسناد السير تقديرا للأعناق من باب إسناد الشىء إلى ما هو كالسبب فيه، و الحاصل: أن الشاعر استعار سيل الماء لسير الإبل فى المحلّ الذى فيه دقيق الحصى استعارة مبتذلة لكثرة استعمالها، ثم أضاف إليها ما أوجب غرابتها و هو تجوّز آخر، و ذلك بأن أسند السيلان الذى هو وصف للإبل فى الأصل إلى محلّه من باب إسناد ما للحالّ إلى المحلّ إشعارا بكثرتها و أدخل الأعناق فى السير، حيث قال: و سالت بأعناق المطى الأباطح أى: و سالت الأباطح ملتبسة بأعناق المطى، فقد تضمن ذلك الكلام كون الأعناق سائلة؛ لأن الأعناق تظهر فيها سرعة السير و بطئه و بقية الأعضاء
[١] مريم: ٤.