حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٤٧
أى: غير المشبه به (نحو: وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ [١] ...
الآية؛ إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا ...
و الحال أنه مقدر، و إنما قدر ذوى الصيب؛ لأن الضمائر فى قوله: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ [٢] لا بد لها من مرجع و ليس موجودا فى اللفظ، و إنما قدر مثل ليناسب المعطوف عليه أى: كمثل الذى استوقد نارا. و الصيب المطر فيعلّ، من صاب نزل، و يطلق الصيب أيضا على السحاب، فإن أريد به فى الآية السحاب ففيه ظلمتان سحمته و تطبيقه منتظمة بهما ظلمة الليل، و كون الرعد و البرق فى السحاب واضح و إن أريد به المطر ففيه ظلمة تكاثفه و انثجاج السحاب بتتابع القطر مع ظلمة الليل، و أما الرعد و البرق فحيث كانا فى أعلاه و مصبّه ملتبسين به فى الجملة فهما فيه أيضا- قاله عبد الحكيم (قوله: أى غير المشبه به) أى: مما له دخل فى المشبه به و ذلك إذا كان المشبه به هيئة منتزعة و ذكر بعد الكاف بعض ما تنتزع منه الهيئة و لا خفاء فى كثرته، فالتقليل المستفاد من" قد" بالنسبة لإيلاء المشبه به و لا بدّ من تقييد الكلام بما إذا كان المشبه به مركبا لم يعبر عنه بمفرد دالّ عليه، و إنما قلنا ذلك احترازا عن نحو قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [٣] فإن المشبه به مركب لكن عبر عنه بمفرد يلى الكاف و هو المثل أعنى: الحالة و الصفة العجيبة الشأن، فالحاصل: أن المشبه به إذا كان مركبا فإن عبر عنه بلفظ مفرد كلفظ المثل فقد ولى المشبه به الكاف و إن لم يعبر عنه بمفرد و لا اقتضى الحال تقديره، بل استغنى عنه بما فى ضمن مجموع اللفظ فلا يكون المشبه به واليا للكاف.
(قوله: وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أى: بيّن لهم حال و صفة الحياة الدنيا، فمثل مفعول اضرب (و قوله: كماء) خبر مبتدأ محذوف أى: هى كماء و هو استئناف بيانىّ كأنه قيل: بم أبينه؟ فقيل: هى كماء، و قيل: إن" اضرب" بمعنى اجعل و صيّر، و حينئذ فله مفعولان ثانيهما قوله كماء أى: صيّر لهم صفة الحياة الدنيا شبه ماء أنزلناه .. إلخ
[١] الكهف: ٤٥.
[٢] البقرة: ١٩.
[٣] الجمعة: ٥.