حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥١٥
بحسب الاعتقاد، لكن فى الانتقال منه إلى البلاهة نوع خفاء لا يطلع عليه كل أحد، و ليس الخفاء بسبب كثرة الوسائط و الانتقالات حتى تكون بعيدة (و إن كان الانتقال) من الكناية إلى المطلوب بها (بواسطة فبعيدة؛ كقولهم: كثير الرماد؛ ...
العرض ملزوم لها أى: البلاهة و هى لازمة له فقد انتقل من الملزوم للازم (قوله: بحسب الاعتقاد) أى: عند من له اعتقاد فى ملزوميته للبليد، فإن قلت: من له اعتقاد لا خفاء بالنسبة إليه و من لا اعتقاد له لا كناية باعتباره، إذ لا يفهم المراد أصلا، و حينئذ فجعل الكناية فى هذا المثال خفية لا يظهر- قلت: لا يلزم من تقدم اعتقاد اللزوم حضوره حال الخطاب، إذ يجوز أن يكون بعض المعانى المخزونة يدرك لزومه بمطلق الالتفات فلا تخفى الكناية عنها على المتكلم عند دوام إيجادها و لا تخفى على السامع عند سماعها، و يجوز أن يكون إدراك لزومها يحتاج إلى تصفح المعانى و الدلالة بالقرائن الخفية الدالة فيحتاج المتكلم فى إيجادها إلى تأمل و السامع فى فهمها إلى روية و فكر، و ما هنا من هذا القبيل فافهم.
و ظهر من هذا أن اعتقاد لزوم البلادة لعرض القفا ليس مشتركا بين الناس، بل قد يخص به واحد دون آخر، إذ لا سبيل إليه إلا بعد التأمل، فإن قلت: كون عرض القفا كناية عن الأبله بلا واسطة لا يظهر؛ لأن الأطباء يقولون إنما استلزم عرض القفا البله؛ لأنه يدل على قوة الطبيعة البلغمية المستلزمة للبرودة المستلزمة للغفلة و البله قلت:
ما ذكر تدقيق لا يعتبره أهل العرف و لا يلاحظونه، و إنما ينتقلون منه أولا إلى الأبله و حينئذ فكون عرض القفا كناية عن البله بلا واسطة واضح باعتبار العرف؛ لأن اللزوم بينهما متقرر حتى قيل إنه الآن لا خفاء فيه أصلا و أن الخفاء المذكور فيه لعله باعتبار العرف القديم (قوله: لا يطلع عليه) أى: لا يدركه كل أحد و إنما يدركه من أعمل فكرته و رويته حتى اطلع على الملزومية و اعتقدها.
(قوله: و ليس الخفاء إلخ) دفع به ما يتوهم من قوله: لا يطلع عليه كل أحد أن ذلك بسبب وجود كثرة الوسائط (قوله: إلى المطلوب بها) أى: و هو الصفة (قوله:
فبعيدة) أى: فتلك الكناية تسمى فى الاصطلاح بعيدة و ذلك لبعد زمن إدراك المقصود