حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٣٤
(و هما حسيان، و الجامع: ما يعقل من ترتب أمر على آخر) أى حصوله عقيب حصوله دائما، أو غالبا، كترتب ظهور اللحم على الكشط و ترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء ...
و يؤيده قوله تعالى: وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ [١]، و حينئذ فيصح القول بظهورها بعد زوال الضوء (قوله: و هما حسيان) أى: مدركان بحاسة البصر إن قلت: إن كلا من كشط الجلد و إزالة الضوء أمر عقلى لا وجود له فى الخارج لأنهما مصدران و المعنى المصدرى لا وجود له فى الخارج، و حينئذ فلا يكونان محسوسين قلت: جعله الكشط و الإزالة محسوسين باعتبار الهيئة المحسوسة الحاصلة عندهما، أو باعتبار متعلقهما و هو اللحم و الضوء و ذلك كاف فى حسيتهما، و لا يقال: إن الترتب إذا نظر لمتعلقه أيضا كان محسوسا فهلا نظر لمتعلقه و جعلت الاستعارة فى الآية المذكورة طرفاها و جامعها حسيات؛ لأنا نقول:
ترتب أمر على آخر هذا كلى صادق بترتب محسوس على محسوس و ترتب معقول على معقول كترتب العلم بالنتيجة على العلم بالمقدمات فمتعلق الترتب ليس دائما محسوسا و إن كان فى خصوص ما نحن فيه محسوسا، فلذا لم ينظر لمتعلقه بخلاف السلخ و إزالة الضوء، ثم ما قلناه من أن الضوء حسى هو مبنى على القول بأنه أجرام لطيفة تتصل بمحسوس توجب إبصاره عادة و أن الظلمة أجرام لطيفة تتصل بالأجرام الحسية توجب عدم الإبصار لما اتصلت به عادة، و أما إن قلنا: إن الضوء كون الأجرام بحيث ترى لاتصال الأجرام اللطيفة الإشراقية بها، و الظلمة كون الأجرام بحيث لا ترى لاتصال الأجرام اللطيفة غير الإشراقية بها كان كل من الضوء و الظلمة عقليّا (قوله: و الجامع:
ما يعقل) أى: و الجامع بين الطرفين الأمر الذى يعقل أى: يدرك بالعقل و هو مطلق ترتب أمر على آخر، و لا شك أن فى الأول ترتب ظهور اللحم على كشط الجلد و فى الثانى ترتب ظهور ظلمة الليل على كشف ضوء النهار (قوله: دائما أو غالبا) أى:
سواء كان حصوله عقب حصول الأمر الآخر دائما أو غالبا (و قوله: كترتب ظهور اللحم على الكشط) راجع لقوله: غالبا؛ لأن ترتب ظهور اللحم على الكشط ليس دائما؛
[١] الأنعام: ١.