حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٨٥
من قوله- عليه الصلاة و السّلام-:" الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" [١].
و فى الفائق: الراحلة: البعير الذى يرتحله الرجل؛ جملا كان أو ناقة؛ يعنى:
أن المرضى المنتخب من الناس فى عزة وجود؛ كالنجيبة المنتخبة التى لا توجد فى كثير من الإبل. (و بهذا ظهر أن التشبيه أعم محلا) ...
إذ لو قيل رأيت يوم الجمعة فى المسجد إبلا مائة لا تجد فيها راحلة تبين المراد فالأولى فى التمثيل أن يقال: رأيت يوم الجمعة فى المسجد و الإمام يخطب إبلا مائة لا تجد فيها راحلة، فإن هذه صورة التجوز مع الخفاء إذ المفهوم أن الناس المرئيين فى المسجد كالإبل و المتبادر أنهم كالإبل فى كثرة الأكل، و قلة الفهم و كبر الأعضاء و طولها مثلا، إذ هذا هو المتبادر، أو أنهم كالإبل فى غاية الصبر، لأن الإبل مشهورة بالصبر؛ على ما تستعمل، و أما عزة الكمال مع كثرة أفراد الجنس فلا تفهم، و إنما كان الأولى ذلك الذى قلناه من المثال؛ لأن كلامنا فيما تحقق فيه التجوز مع الخفاء و لا يتحقق التجوز إلا بالقرينة و لو ذكرت القرينة فى المثال مع الإيماء للوجه انتفى الخفاء- اه يعقوبى.
(قوله: من قوله) أى: و هذا المثال مأخوذ من قوله- عليه الصلاة و السّلام- لا أن قصد المصنف التمثيل بالحديث (قوله: يرتحله الرجل) أى يعده للارتحال عليه- كذا قال بعضهم- و فى الأطول أى: يعده لوضع رحله و حمل الأثقال عليه (قوله: المنتخب من الناس) أى: المختار منهم لحسن خلقه و زهده، و قوله: فى عزة وجوده [٢]أى: فى قلة وجوده مع كثرة أفراد جنسه، و هذا وجه الشبه (قوله: المنتخبة) أى: المختارة لحمل الأثقال لقوتها و هى مرادفة للراحلة، و أشار بقوله: التى لا توجد فى كثير من الإبل إلى أن المراد من العدد الكثرة (قوله: و بهذا) أى: بما ذكر- و هو أن ما يكون فيه الوجه خفيا لا تنبغى فيه الاستعارة لئلا تصير إلغازا و تعمية- ظهر أن التشبيه أعم أى: من الاستعارة أى: عموما مطلقا؛ لأن العموم إذا أطلق إنما ينصرف له و نبه بقوله: محلا على أن العموم من حيث التحقق لا من حيث الصدق، إذ لا يصدق التشبيه على الاستعارة كما أن الاستعارة لا تصدق على التشبيه، ثم إنه لم يعلم مما مر إلا أن التشبيه ينفرد عن الاستعارة
[١] السنن الكبرى للبيهقى ١٠/ ١٣٥ بلفظ (الناس كالإبل المائة لا يجد الرجل فيها راحلة).
[٢] كذا، و في المتن: وجود.