حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٩٥
رتبت فى زائدتى مقدم الدماغ المشبهتين بحلمتى الثدى (من الروائح، أو باللمس) و هى قوة ...
له كما إذا وضعت أصبعك فى فمك، و كون الشىء لا يحس بطعمه لشدة كثافة أجزائه فلا يتحلل منها ما يخالطه الرطوبة اللعابية، فإذا احتيل فى تحليله أحس منه بطعم و ذلك كما فى الحديد، فإنه إذا وضع على اللسان لم يجد له الإنسان طعما فلو تحلل منه نحو القراضة وجد له طعما آخر، و المعدود من الطعوم التفاهة بالمعنى الثانى لا الأول، و إنما كانت هذه التسعة أصول الطعوم؛ لأن ما سواها من الطعوم و هى أنواع لا تتناهى مركبة منها كالمزازة المركبة من الحلاوة و الحموضة، و كلما خلط مطعوم بمطعوم حدث طعم آخر، و استدل الحكماء على كون أصول الطعوم هذه التسعة لا غيرها بأن الطعم لا بدّ له من فاعل و هو الحرارة أو البرودة أو الكيفية المتوسطة بينهما، و لا بدّ له من قابل و هو اللطيف أو الكثيف أو المتوسط بينهما، و إذا ضربت أقسام الفاعل فى أقسام القابل حصلت أقسام تسعة، فالحرارة إذا فعلت فى اللطيف حدثت الحراقة و فى الكثيف حدثت المرارة و فى المعتدل بينهما حدثت الملوحة، و البرودة إذا فعلت فى اللطيف حدثت الحموضة، و فى الكثيف حدثت العفوصة، و فى المعتدل حدث القبض، و الكيفية المتوسطة بين الحرارة و البرودة إذا فعلت فى اللطيف حدثت الدسومة، و فى الكثيف حدثت الحلاوة، و فى المعتدل بينهما حدثت التفاهة- هذا ما ذكروا، و الحق أنها مجرد دعاوى لا دليل عليها كيف و الأفيون مر بارد و العسل حلو حار و الزيت دسم حار؟! (قوله: رتبت) أى: رتبها اللّه بمعنى أنه خلقها و جعلها فى زائدتى مقدم الدماغ و هما حلمتان زائدتان هناك شبيهتان بحلمتى الثديين فهما بالنسبة لمجموع الدماغ مع خريطته:
كالحلمتين بالنسبة إلى الثديين كل واحدة منهما تقابل ثقبة من ثقبتى الأنف، و على هذا فلا إدراك فى الأنف، و إنما هو واسطة؛ لأن القوة الشمّيّة قائمة بتينك الزائدتين بدليل أنه إذا سد الأنف من داخل انقطع إدراك المشموم و لو سلم نفس الأنف من الآفات (قوله:
من الروائح) بيان لما يدرك بالشم و لا حصر لأنواع الروائح و لا أسمائها إلا من جهة الملاءمة للقوة الشامّة و عدم الملاءمة لها فما كان ملائما يقال له رائحة