حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٧٦
من حيث هو كذلك (و الألم) و هو إدراك و نيل لما هو عند المدرك آفة و شر من حيث هو كذلك، و لا يخفى أن إدراك هذين المعنيين ليس بشىء من الحواس الظاهرة، و ليس أيضا من العقليات الصرفة؛ لكونهما من الجزئيات المستندة إلى الحواس، بل من الوجدانيات المدركة بالقوى الباطنة ...
تدركه بنفسها، و (قوله: عند المدرك) متعلق بكمال و خير أى: لما تكون كماليته و خيريته عند المدرك و هو النفس (قوله: من حيث هو كذلك) أى: كمال و خير، و إنما قال ذلك؛ لأن الشىء قد يكون كمالا و خيرا من وجه دون وجه، فالالتذاذ به إنما يكون من ذلك الوجه.
(قوله: و هو إدراك و نيل لما هو عند المدرك آفة و شر) لا يخفى عليك مفاد قيود الألم من مفاد قيود اللذة، ثم إن كلا من تعريف اللذة و الألم المذكورين يشمل عقلىّ كلّ منهما و حسيّه، فعقليّهما ما يكون المدرك فيه بالكسر مجرد العقل، و المدرك بالفتح من المعانى الكلية و ذلك كاللذة التى هى إدراك الإنسان شرف العلم، و الألم الذى هو إدراك الإنسان نقصان الجهل و قبحه، فشرف العلم كمال عند القوة العاقلة، و لا شك أنها تدركه و تستلذ به، و نقصان الجهل آفة عند القوة العاقلة، و لا شك أنها تدركه و تتألم به، و حسيّهما كإدراك النفس نيل القوة الذائقة لمذوقها الحلو أو المر أى: تكيفها به و نيل القوة الباصرة لمبصرها الجميل أو الخبيث، و نيل القوة الشامّة لمشمومها «*» الطيب أو المنفر، فهذه اللذات و الآلام كلها مستندة للحس من حيث إنه سبب فيها، فالذوق مثلا إنما يدرك حلاوة الحلو و ليست الحلاوة هى نفس اللذة بل هى إدراك النفس لتكيف الذوق بمذوقه الحلو (قوله: و لا يخفى أن إدراك هذين المعنيين) أى: اللذة و الألم، و (قوله: ليس بشىء من الحواس الظاهرة) أى: لأن هذين المعنيين إدراكان، و الإدراك معنى من المعانى، و الحواس الظاهرة لا تدرك المعانى (قوله: وليسا) أى: هذان المعنيان من العقليات الصرفة، أى: حتى أنهما يدركان بالعقل، و (قوله: الصرفة) أى: التى لا يتعلق بها إحساس أصلا كالعلم و الحياة (قوله: لكونهما من الجزئيات إلخ) أى: و العقليات الصرفة التى تدرك
(*) وقعت فى المطبوع: لشمومها و ما أثبت الأولى مناسبة لسياق العبارة و هو ما أثبته صاحب مواهب الفتاح.