حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٣٦
لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم فهو كدعوى الشىء ببينة) فإن وجود الملزوم يقتضى وجود اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن لازمه ...
و يكون ذكر الكناية و التصريح بعد المجاز و الحقيقة من باب ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على الأهمية؛ لأن السبب الموجب لأكثرية المبالغة فى الكناية مع التصريح فيه خفاء، حيث قيل إن الكناية يراد بها المعنيان معا فلا تنهض فيها العلة الآتية على وجه الوضوح، و يحتمل أن يراد بالمجاز ما سوى الكناية من أنواع المجاز بدليل ذكرها بعده و هو الأقرب.
(قوله: لأن الانتقال فيها) أى: فى المجاز و الكناية من الملزوم إلى اللازم، فلا يفهم المعنى المراد من نفس اللفظ، بل بواسطة الانتقال من الملزوم إلى اللازم، أما فى المجاز فظاهر أنه لا يفهم الرجل الشجاع من نفس قولك: رأيت أسدا فى الحمام، بل بواسطة الانتقال من الحيوان إلى لازمه و هو الشجاع، و أما فى الكناية فلأن اللازم الذى قيل إن الانتقال فيها منه إلى الملزوم قد تقدم أنه ما دام غير ملزوم لم ينتقل منه، فصح أن الانتقال فيها من الملزوم أيضا، فالمراد بالملزوم بالنسبة لها الملزوم فى الذهن، و من كان لازما فى الخارج (قوله: فهو كدعوى الشىء ببينة) أى: و إذا كان الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم، فذلك اللازم المنتقل إليه من الملزوم كالشىء المدعى ثبوته المصاحب للبينة، أى الدليل، بخلاف الحقيقة و التصريح فإن كلا منهما دعوى مجردة عن الدليل، فإذا قلت: فلان كثير الرماد كأنك قلت: فلان كريم لأنه كثير الرماد، و إذا قلت: رأيت أسدا فى الحمام فكأنك قلت: رأيت شجاعا فى الحمام لأنه كالأسد، كذا قرر شيخنا العلامة العدوى.
و فى كلام بعضهم ما يقتضى أن المراد بالبينة الشاهدان حيث قال: و وجه كونهما كالدعوى بالبينة أن تقرر الملزوم يستلزم تقرر اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم، فصار تقرر الملزوم مشعرا باللازم و القرينة مقررة له أيضا، فصار كأنه قرر مرتين مثل الدعوى التى أثبتت بشاهدين من جهة أن فى كل تأكيد الإثبات، و بهذا يعلم وجه كون الأبلغية فى كلام المصنف مأخوذة من المبالغة، و إنما قال: كدعوى و لم يقل: أن فيهما