حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٣١
(و إن أردتهما) أى: أردت المخاطب و إنسانا آخر معه جميعا (كان كناية) لأنك أردت باللفظ المعنى الأصلى و غيره معه، و المجاز ينافى إرادة المعنى الأصلى (و لا بد فيهما) أى: فى الصورتين (من قرينة) دالة على أن المراد فى الصورة الأولى هو الإنسان الذى مع المخاطب وحده ليكون مجازا، و فى الثانية كلاهما جميعا ليكون كناية، و تحقيق ذلك أن قولك: آذيتنى فستعرف- كلام دال على تهديد المخاطب بسبب الإيذاء، و يلزم منه تهديد كل من صدر عنه الإيذاء، فإن استعملته و أردت به تهديد المخاطب و غيره من المؤذين كان كناية، و إن أردت به تهديد غير المخاطب بسبب الإيذاء لعلاقة اشتراكه للمخاطب فى الإيذاء؛ إما تحقيقا، و إما فرضا و تقديرا مع قرينة دالة على عدم إرادة المخاطب كان مجازا.
(قوله: و إن أردتهما كان كناية) أى: و إن أردتهما بتاء الخطاب بقرينة قوله قبل: و أنت تريد بتاء الخطاب- يعنى أن الكلام التعريضى قد يكون كناية، حيث لم تقم قرينة على عدم صحة إرادة المعنى الأصلى، بل قامت على إرادة الأصلى و غيره، و ذلك كقولك:
آذيتنى فستعرف، و الحال أنك أردت تهديد المخاطب و إنسانا آخر معه، فحيث أردتهما بهذا الخطاب كان كناية؛ لأن الكناية هى اللفظ الذى يجوز أن يراد به المعنى الحقيقى و لازمه، و المجاز لا يراد به إلا اللازم كما تقدم، و أنت خبير بأنه إذا أريد بتاء الخطاب الأمران معا كان اللفظ مستعملا فى المعنى الحقيقى و المعنى المجازى، و هو ممنوع عند البيانيين، إلا أن يقال: إرادة المعنى الحقيقى هنا للانتقال لغيره، و إن كان كل منهما هنا مقصودا بالإثبات، و الظاهر أنهم لا يسمحون بذلك كما فى سم.
(قوله: و لا بد فيهما من قرينة) أى: و إذا كان التعريض يكون مجازا و يكون كناية فلا بد فى الصورتين السابقتين و هما صورة المجاز و صورة الكناية من قرينة تميز إحداهما من الأخرى، حيث اتحد لفظهما و إنما اختلفا فى الإرادة، فإذا وجدت القرينة الدالة على أن المهدد هو غير المخاطب فقط- كأن يكون المخاطب صديقا و غير مؤذ- كان اللفظ مجازا، و إذا وجدت القرينة الدالة على أنهما هددا معا- كأن يكونا معا عدوين للمتكلم و مؤذيين له، و يعلم عرفا أن ما يعامل به أحدهما يعامل به الآخر- كان اللفظ كناية. (قوله: و تحقيق ذلك) أى: و بيان ذلك الكلام على الوجه الحق، و هذا جواب عما يقال: لا نسلم أن (آذيتنى فستعرف)