حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٨٦
إذ كل ما يتأتى فيه الاستعارة يتأتى فيه التشبيه من غير عكس؛ لجواز أن يكون وجه الشبه غير جلى فتصير الاستعارة إلغازا؛ كما فى المثالين المذكورين؛ فإن قيل:
قد سبق أن حسن الاستعارة برعاية جهات حسن التشبيه، و من جملتها: أن يكون وجه التشبيه بعيدا غير مبتذل. فاشتراط جلائه فى الاستعارة ينافى ذلك.
قلنا: الجلاء، و الخفاء مما يقبل الشدة و الضعف؛ فيجب أن يكون من الجلاء بحيث لا يصير ألغازا، و من الغرابة بحيث لا يصير مبتذلا.
فتضم له ما هو معلوم من اجتماع التشبيه و الاستعارة، فبذلك يثبت أن التشبيه أعم مطلقا و اعلم أن ما ذكر هنا من العموم المطلق باعتبار المحل منظور فيه للنسبة بين التشبيه مطلقا، سواء كان حسنا أو لا و بين الاستعارة الحسناء و ما سيأتى عند قوله: و يتصل به إلخ، مما يفيد أن بينهما العموم و الخصوص الوجهى، فذلك منظور فيه للنسبة بين التشبيه الحسن و الاستعارة الحسناء فيتصادقان حيث لا خفاء و لا اتحاد و تنفرد الاستعارة حيث الاتحاد كما فى مسألة العلم و النور الآتية و ينفرد التشبيه حيث الخفاء، و حينئذ فلا منافاة بين ما هنا و ما يأتى (قوله: إذ كل ما يتأتى) أى: إذ كل محل تتأتى فيه الاستعارة أى:
الحسناء يتأتى فيه التشبيه، و ذلك حيث لا خفاء فى وجه الشبه و لم يقو الشبه بين الطرفين بحيث يصيران كأنهما متحدان.
(قوله: كما فى المثالين المذكورين) أى: فى المتن و هما رأيت أسدا مريدا به إنسانا أبخر و رأيت إبلا إلخ، فتمتنع فيها الاستعارة الحسناء، و يجب أن يؤتى بالتشبيه فى صورة إلحاق الناس بالإبل كما فى الحديث الشريف، و يؤتى بالتشبيه فى صورة إلحاق الرجل بالسبع فى البخر، و يفرق بأن التشبيه يتصور فيه إجمال لما يتعلق الغرض به فى بعض التراكيب، و المجاز ليس كذلك و إن كانا مستويين فى الامتناع عند الخفاء إذ لم يذكر الوجه فى التشبيه و ذلك عند قصد خصوص الوجه فى ذلك التشبيه، و إذا صح التشبيه فيما ذكر من المثالين دون الاستعارة كان أعم محلا (قوله: ينافى ذلك) أى: لأن من لوازم كون الشبه بعيدا غير مبتذل أن يكون غير جلى، فكأنهم اشترطوا فى حسنها كون وجه الشبه جليا و كونه غير جلى و هذا تناف (قوله: فيجب أن يكون) أى: وجه