حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٨٠
و نحو ذلك (و ألّا يشم رائحته لفظا) ...
من التشبيه، فإذا كان الغرض تزيين وجه أسود فيشبه بمقلة الظبى، ثم استعار له لفظ المقلة فهذا واف بالغرض، و لو شبه لإفادة هذا الغرض بالغراب و استعير لفظ الغراب له فات الحسن، و إذا كان الغرض إفادة تشويه وجه منقب بالجدرى فيشبه بالسلحة التى نقرتها الديكة، ثم يستعار له لفظها فهذا واف بالغرض، و لو شبه لإفادة هذا الغرض بشىء آخر منقب و استعير له لفظه فات الحسن (قوله: و نحو ذلك) أى: مثل ذلك كون وجه الشبه غير مبتذل بأن يكون غريبا لطيفا لكثرة ما فيه من التفصيل، أو نادر الحضور فى الذهن كتشبيه الشمس بالمرآة فى كف الأشل، و تشبيه البنفسج بأوائل النار فى أطراف كبريت، ثم يستعار كل واحد منهما لما شبه به بخلاف تشبيه الوجه الجميل بالشمس، ثم يستعار له و تشبيه الشجاع بالأسد ثم يستعار له، فإن ذلك مما فات فيه الحسن لفوات حسن التشبيه فيه لعدم الغرابة لوجود الابتذال (قوله: و ألّا يشم رائحته إلخ) يشم بضم أوله مبنيا للمفعول من أشم و رائحته نائب الفاعل، و أما قول الشارح:
أى: و بألا يشم إلخ: فهو بفتح أوله و ضم ثانيه مبنيا للفاعل.
(قوله: أى و بأن لا يشم إلخ) أشار بهذا إلى قول المصنف: و ألّا يشم عطف على رعاية أى: حسن الاستعارة حاصل برعاية الجهات المحصلة لحسن التشبيه، و حاصل بعدم شمها رائحة التشبيه، و أشار بقوله: من جهة اللفظ إلى أن لفظا فى كلام المصنف نصب على التمييز و هو محول عن المضاف إليه أى: و ألّا يشم شىء منها رائحة لفظ التشبيه، و يحتمل نصبه على نزع الخافض أى: ألّا يشم رائحة التشبيه بلفظ يدل عليه، و إنما قال لفظا؛ لأن شم التشبيه معنى موجود فى كل استعارة بواسطة القرينة؛ لأن الاستعارة لفظ أطلق على المشبه بمعونة القرينة بعد نقله عن المشبه به بواسطة المبالغة فى التشبيه فلا يمكن نفى إشمام الرائحة مطلقا أى: من جهة اللفظ و المعنى؛ لأن المعنى على التشبيه قطعا.
و اعلم أن شم رائحة لفظ التشبيه إما أن يكون ببيان المشبه كما فى قوله تعالى:
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [١]فإن قوله: من الفجر
[١] البقرة: ١٨٧.