حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٤٧٧
فيما شاع من كلام الفصحاء؛ إذ لا نزاع فى عدم شيوع مثل: أظفار المنية الشبيهة بالسبع، و إنما الكلام فى الصحة، و أما وجود الاستعارة بالكناية بدون التخييلية فشائع؛ على ما قرره صاحب الكشاف فى قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [١]، و صاحب المفتاح فى مثل: أنبت الربيع البقل؛ فصار الحاصل من مذهبه أن قرينة الاستعارة بالكناية قد تكون استعارة تخييلية؛ مثل: أظفار المنية، و نطقت الحال، و قد تكون استعارة تحقيقية على ما ذكر فى قوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ [٢] أن البلع استعارة عن غور الماء فى الأرض، ...
خبير بأن هذا الحمل يعكر على ما تقدم للشارح من أن قول القائل: إن قول السكاكى المذكور معناه استلزام التخييلية للمكنية مما تبين فساده، فقد جعل ذلك الحمل فاسدا فيما تقدم و مشى عليه هنا (قوله: فيما شاع) إشارة لجواب عما يقال كيف نقول: إن التخييلية لا توجد بدون المكنية مع أنها وجدت فى قولك: أظفار المنية الشبيهة بالسبع أهلكت فلانا؟ و حاصل الجواب أن المنفى الوجود الشائع الفصيح لا مطلق الوجود (قوله: إذ لا نزاع) أى: و إنما قيدنا بقولنا: فيما شاع؛ لأنه لا نزاع و لا خلاف فى عدم شيوع إلخ (قوله: و إنما الكلام فى الصحة) أى: و إنما الخلاف فى صحة ذلك المثال فعند السكاكى هو صحيح و عند القوم لا يصح، إلا إذا جعل الأظفار ترشيحا للتشبيه لا على أنه تخييلية (قوله: فشائع) أى: و حينئذ فلا يصح الاعتراض بوجود المكنية بدون التخييلية (قوله: ينقضون عهد اللّه) أى فقد ذكر أن العهد مشبه بالحيل على طريق المكنية، و ينقضون مستعار ليبطلون استعارة تحقيقية قرينة للمكنية، فقد وجدت المكنية بدون التخييلية (قوله: أنبت الربيع البقل) فقد ذكر أن الربيع شبه بالفاعل الحقيقى على طريق المكنية، و أن الإنبات قرينة لها و هو حقيقة، فقد وجدت المكنية بدون التخييلية (قوله: فصار الحاصل من مذهبه) أى: من مذهب السكاكى فى قرينة المكنية باعتبار ما ذكره فى أماكن متعددة (قوله: ابلعى ماءك) أى: غورى ماءك (قوله: عن غور الماء) أى: لغور الماء و هو منقول عن إدخال الطعام للجوف من الحلق.
[١] البقرة: ٢٧.
[٢] هود: ٤٤.