حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٣٣٢
(و الجامع الشكل) فإن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة (و الجميع) من المستعار منه، و المستعار له، و الجامع (حسى) أى: مدرك بالبصر.
(و إما عقلى؛ نحو: وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [١] فإن المستعار منه)
استعاروا حليّا من القبط لعرس عندهم، فقال لهم: ائتونى بالحلىّ أجعل لكم الإله الذى تطلبونه من موسى- يعنى حين قالوا له: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [٢]فأتوه بذلك الحلىّ و صنع منه صورة العجل و ألقى فيه ذلك التراب، فصار الحلىّ حيوانا بلحم و دم و له خوار- أى: صوت كصوت العجل- فقال هو و أتباعه لبنى إسرائيل: هذا إلهكم و إله موسى الذى تطلبونه من موسى، نسيه هنا و ذهب يطلبه، و كان ذلك وقت ذهاب موسى ببنى إسرائيل للمناجاة، و سبقهم موسى طلبا لرضوان اللّه، فوقعت هذه الفتنة بأثره، قيل: إن سبب اختصاص السامرى بمعرفة ذلك: أن أمه كانت ألقته عام ولد فى كهف لينجو من ذبح فرعون، إذ كانت ولادته فى سنة تذبيح أبناء بنى إسرائيل، فبعث اللّه له فى ذلك الكهف جبريل ليربيه فعرف أثر فرسه، و ذلك لما قضى اللّه من الفتنة (قوله: و الجامع الشكل) أى: الصورة الحاصلة فى الحيوان و ولد البقرة، إذ شكلهما أى: صورتهما المشاهدة واحدة، إن قلت: إن كون الآية من قبيل الاستعارة فيه بحث، إذ قوله: جسدا له خوار:
صريح فى أنه لم يكن عجلا، إذ لا يقال للبقر: إنه جسد له صوت البقر، و قد أبدل الكل، فظهر أنه ليس عين العجل، فالمراد من العجل مثل العجل فهو نظير قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [٣]فإن البيان أخرجه من الاستعارة إلى التشبيه، قلت: إن البدل إنما أخرجه عن كون المراد به العجل الحقيقى و عين أن المراد منه العجل الادعائى أعنى: الحيوان المخلوق من الحلى، فالبدل قرينة على الاستعارة: كيرمى فى: رأيت أسدا يرمى، بخلاف قوله: من الفجر فإنه أخرج الخيط الأبيض عن أن يكون المراد به الخيط الحقيقى و هو ظاهر، و أخرجه عن أن يكون المراد به الخيط الادعائى أعنى: الفجر، إذ لا يبين الشىء نفسه، فلا بد من تقدير المثل (قوله: نحو وَ آيَةٌ لَهُمُ) أى: و علامة لهم على قدرة اللّه (و قوله: نسلخ منه النهار)
[١] يس: ٣٧.
[٢] الأعراف: ١٣٨.
[٣] البقرة: ١٨٧.