حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٨٦
لأن المصير إلى ذلك إنما يجب إذا كان أسد مستعملا فى معناه الحقيقى.
و أما إذا كان مجازا عن الرجل الشجاع- فحمله على زيد صحيح، و يدل على ما ذكرنا: أن المشبه به فى مثل هذا المقام كثيرا ما يتعلق به الجارّ و المجرور،
المبالغة فى زيد بإيهام أنه عين الأسد (قوله: لأن المصير إلى ذلك) أى: التشبيه بحذف الأداة (قوله: فحمله على زيد صحيح) لأن المعنى زيد رجل شجاع، و الحاصل: أن قولنا: زيد أسد أصله: زيد رجل شجاع كالأسد، فحذف المشبه و أداة التشبيه، و تنوسى التشبيه، و استعمل المشبه به فى معنى المشبه على سبيل الاستعارة؛ لأن المشبه- و هو الذات المتصفة بالشجاعة- لم يذكر لفظه، و قد ذكر المشبه به مكانه مخبرا به عن زيد، و أما زيد فليس مشبها به إلا من حيث كونه ذاتا صدقت عليها الشجاعة، و بتلك الحيثية أخبر عنه، و أما من حيث إنه شخص عين بهذا العلم فليس مشبها. هذا و قد ضعف بعضهم ما قاله الشارح من البحث: بأنه لا بدّ من المبالغة فى الاستعارة و لا مبالغة فى قولنا: زيد رجل شجاع كالأسد، فإن الحكم باتحاد زيد بالرجل الشجاع و التشبيه بالأسد يفيد تشبيه زيد بالأسد و لا مبالغة فيه، و ردّ بأنه إذا استعمل لفظ المشبه به فى المشبه و هو الرجل الشجاع كان تشبيهه به مفروغا منه مسلما و المقصود الحكم بالاتحاد كما فى: رأيت أسدا يرمى، فإن تشبيه الرجل الشجاع بالأسد مفروغ منه و المقصود إيقاع الرؤية عليه، فحصلت المبالغة فى الرجل الشجاع باستعمال لفظ المشبه به فيه و جعله فردا ادعائيّا له- فتأمل.
(قوله: على ما ذكرنا) أى: من أن أسدا مستعمل فى الرجل الشجاع لا فى الحيوان المفترس الذى وضع له قوله: فى مثل هذا المقام) أى: فى هذا المقام و ما ماثله من كل تركيب ذكر فيه المشبه به و المشبه بحسب الصورة و لم تذكر الأداة (قوله: كثيرا ما يتعلق به الجارّ و المجرور) أى: و تعلق الجارّ و المجرور به دليل على أنه مؤول بمشتق:
كشجاع و مجترئ و نحوهما، فإن الشجاع مشتق من الشجاعة و المجترئ من الجراءة، و لو كان المشبه به مستعملا فى معناه الحقيقى ما تعلق به الجارّ و المجرور لكونه جامدا