حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢١٤
ما كان من هذا الضرب) أى: من البعيد الغريب دون القريب المبتذل (لغرابته) أى: لكون هذا الضرب غريبا غير مبتذل (و لأن نيل الشىء بعد طلبه ألذّ) ...
تلك الأمور و هى حصول شىء يترتب عليه المنافع، فيحصل السرور به و تنسى عاقبة أمره، ثم يذهب ذلك الأمر بسرعة.
(قوله: ما كان من هذا الضرب) لم يقل منه؛ لأن المتبادر من الضمير عوده إلى خصوص ما كان التركيب فيه من أمور كثيرة، فلذا أظهر، و الحاصل: أن بلاغة التشبيه منظور فيها إلى كونه بعيدا غريبا سواء كان وجه الشبه فيه تركّب من أمور كثيرة أو لا و سواء ذكرت الأداة أو حذفت، و حينئذ فإطلاق البليغ على التشبيه الذى حذفت أداته إطلاقا شائعا طريقة لبعضهم، و إلّا فهو يسمى مؤكّدا كما يأتى.
و قول المصنف: ما كان من هذا الضرب: ليس المراد أنه من أفراد هذا الضرب، بل المراد أنه نفس هذا الضرب كما علمت، و حينئذ فالأوضح أن يقول: و التشبيه البليغ هو هذا الضرب، ثم إن المراد بالبليغ هنا: الواصل لدرجة القبول فهو من البلوغ بمعنى الوصول، أو اللطيف الحسن مأخوذ من البلاغة بمعنى اللطف و الحسن مجازا لا من البلاغة المصطلح عليها؛ لأنه إنما يوصف بها الكلام و المتكلم لا التشبيه، و لا يقال: يصح إرادة المصطلح عليها باعتبار الكلام الذى فيه التشبيه؛ لأنا نقول بلاغته حينئذ باعتبار المطابقة لمقتضى الحال، و لا وجه لاختصاص الغريب بالبليغ حينئذ، إذ ربما كان القريب المبتذل مطابقا لمقتضى الحال كما إذا كان الخطاب مع شخص يقتضى حاله تشبيها مبتذلا لبلادته و سوء فهمه، فلا يكون الغريب بليغا بل القريب المبتذل- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: لغرابته) علّة لتسمية هذا الضرب بليغا، فالغرابة موجبة للبلاغة فكل ما كان غريبا كان بليغا، إذ لا يخفى أن المعانى الغريبة أبلغ و أحسن من المعانى المبتذلة (قوله:
و لأن نيل الشىء) أى: حصوله بعد طلبه ألذّ أى: و الغريب المذكور لا ينال إلا بعد التأمل و الطلب، و هذا عطف على قوله لغرابته (قوله: ألذّ) أى: من حصوله بلا طلب، ثم إن هذا لا ينافى ما تقدم فى باب حذف المسند من أن حصول النعمة الغير المترقبة ألذ لكونه رزقا من حيث لا يحتسب؛ لأن الطلب لا ينافى؛ الحصول الغير المترقب، لأنه يمكن