حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٤٤
و قد سبق إلى بعض الأوهام- نظرا إلى ظاهر اللفظ- أن وجه التشبيه- فى قولنا للجبان: هو أسد، و للبخيل: هو حاتم هو التضاد المشترك بين الطرفين باعتبار الوصفين المتضادين- و فيه نظر؛ لأنا إذا قلنا: الجبان كالأسد فى التضاد أى: فى كون كلّ منهما مضادّا للآخر لا يكون هذا من التمليح و التهكم فى شىء، كما إذا قلنا: السواد كالبياض فى اللونية، أو فى التقابل، و معلوم أنا إذا أردنا التصريح بوجه الشبه فى قولنا للجبان: هو أسد- تمليحا، أو تهكما- لم يتأتّ لنا إلا أن نقول:
فى الشجاعة، لكن الحاصل فى الجبان إنما هو ضد الشجاعة فنزلنا تضادّهما منزلة التناسب، و جعلنا الجبن بمنزلة الشجاعة على سبيل التمليح و الهزؤ.
(قوله: نظرا إلى ظاهر اللفظ) أى: لفظ المصنف و هو قوله: اشتراك الضدين فيه، و نظرا: منصوب على التمييز، أو على الحال من بعض المضاف، أو من المضاف إليه لا مفعولا لأجله لعدم الاتحاد فى الفاعل؛ لأن فاعل سبق أن وجه الشبه و فاعل النظر ذلك المتوهم (قوله: هو التضاد) الجملة خبر أن (قوله: الوصفين المتضادين) و هما الجبن و الشجاعة و الكرم و البخل لا باعتبار حقيقتى الموصوفين (قوله: لا يكون هذا من التمليح و التهكم فى شىء) أى: و حينئذ لا حاجة لقول المصنف، ثم ينزل منزلة التناسب بل لا معنى له أصلا؛ لأنه خلاف الواقع و كذلك لا حاجة لقوله بواسطة تمليح أو تهكم، بل لا معنى له، بل لا معنى لقوله: قد ينتزع الشبه من نفس التضاد لاتحاد المنتزع و المنتزع منه و لا معنى له (قوله: كما إذا قلنا .. إلخ) تنظير بما قبله (قوله: و معلوم .. إلخ) هذا ردّ آخر لما سبق لبعض الأوهام، و حاصله: أن وجه التشبيه يصح التصريح به و التضاد لا يصح التصريح به فى قولك تمليحا أو تهكما للجبان هو كالأسد، إذ لو قلت فى التضاد لخرجت عن مقام التمليح و التهكم، و إنما تقول فى مقامهما فى الشجاعة، (و قوله: لكن الحاصل .. إلخ) دفع لما يرد من أن وجه الشبه ما يشترك فيه الطرفان، و الجبان ليس بشجاع فلا اشتراك، فكيف صح جعل الشجاعة وجه الشبه؟ و حاصل الدفع: أننا نزلنا تضادهما منزلة تناسبهما و جعلنا الجبن بمنزلة الشجاعة، فالجبان شجاع تنزيلا فجاء الاشتراك (قوله: تمليحا .. إلخ) أى: على وجه التمليح أو التهكم.