حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٤١
(ثم ينزل) التضاد (منزلة التناسب بواسطة تمليح) ...
لما ذكر لاشتراك الضدين اللذين هما الطرفان هنا فيه فلما اشتركا فيه صح أن يتخيل أن التضاد كالتناسب فينزل منزلته بواسطة أن كلّا منهما مشترك فيه فترتفع الضدية الكائنة بين الطرفين، فإن قلت: إذا كان الاشتراك فى التضاد كافيا فى أخذ الوجه المقتضى لنفى الضدية بواسطة تنزيل ذلك التضاد منزلة التناسب صح أن يقال:
السماء كالأرض فى الانخفاض، و الأرض كالسماء فى الارتفاع، و السواد كالبياض فى تفريق البصر، و البياض كالسواد فى عدمه، و نحو هذا مما لم يصح وروده عن البلغاء، و إنما قلنا بصحته ضرورة أن كل ذلك وجد فيه الاشتراك فى التضاد المصحح لتنزيله منزلة التناسب على ما مر.
قلت: اعتبار الاشتراك لتصحيح أخذ الوجه بواسطة التنزيل المقتضى للمناسبة إنما هو لزيادة توجيه الصحة دفعا لاستغراب أخذ المناسبة من التضاد، و إلا فلا يكفى مجرد الاشتراك، و إلا لزم ما ذكر، بل لا بد فى صحة الأخذ من زيادة وجود تمليح أو تهكّم- كما أشار لذلك المصنف بقوله: بواسطة .. إلخ، و ما ذكر من هذه الأمور ليس فيه تمليح و لا تهكّم.
(قوله: ثم ينزل .. إلخ) المتبادر أنه عطف على قوله: ينتزع الشبه من نفس التضاد- و فيه نظر، فإن التنزيل سابق على انتزاع الوجه من المتضادين؛ لأن التضاد ينزل منزلة التناسب ثم ينتزع الوجه من الضدين لا أن التنزيل مفرع على الانتزاع كما توهمه عبارة المصنف، و أجيب بأن ثم للترتيب الإخبارى فكأنه قال قد ينتزع الشبه من نفس التضاد، ثم أخبرك أنه ينزل .. إلخ و إن كان التنزيل متقدما على الانتزاع، أو يقال: المراد بالانتزاع قصده أى: قد يقصد انتزاع الشبه من نفس التضاد، ثم ينزل ..
إلخ لا يقال: هذا و إن أفادته جهة الترتيب، لكن لم تقع ثم فى موقعها، إذ المحل للفاء؛ لأنه لا تراخى بين القصد المذكور و التنزيل؛ لأنا نقول كما تكون ثم لتراخى أول المعطوف عن المعطوف عليه تكون لتراخى آخره و التنزيل منزلة التناسب إنما يتم بالتهكم و التمليح- كما أشار له بقوله: بواسطة تمليح أو تهكم فهو من تتمّته فتراخى