حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٣٧
فانتزاع وجه الشبه من مجرّد قوله: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة- خطأ (لوجوب انتزاعه من الجميع) أعنى: جميع البيت (فإن المراد التشبيه) أى: تشبيه الحالة المذكورة فى الأبيات السابقة بحالة ظهور غمامة للقوم العطاش، ثم تفرقها و انكشافها، و بقائهم متحيرين (باتصال) أى: باعتبار اتصال؛ فالباء هاهنا مثلها ...
و فى يس: أن تفرقت تفسير لأقشعت (و قوله: و انكشفت) تفسير لتجلت فيفيد أن العطف مغاير (قوله: فانتزاع وجه الشبه .. إلخ) الحاصل: أن الشاعر قصد تشبيه الحالة المذكورة قبل هذا البيت و هى حال من ظهر له شىء و هو فى غاية الحاجة إلى ما فيه و بنفس ظهور ذلك الشىء انعدم و ذهب ذهابا أوجب الإياس مما يرجيه- بحال قوم تعرضت لهم غمامة و هم فى غاية الاحتياج إلى ما فيها من الماء لشدة عطشهم و بمجرد ما تهيئوا للشرب منها تفرقت و ذهبت، فإذا سمع السامع قول الشاعر: كما أبرقت قوما عطاشا غمامة و توهم أن ما يؤخذ منه يكفى فى التشبيه كان ذلك خطأ؛ لأن المأخوذ منه أن قوما ظهرت لهم غمامة و أن تلك الغمامة رجوا منها ما يشرب و أنهم فى غاية الحاجة لذلك الماء لعطشهم، فإذا انتزع ذلك المعنى من هذا الشطر كان حاصل التشبيه: أن الحالة الأولى كالحالة الثانية التى هى إبراق الغمامة لقوم .. إلخ فى كون كل منهما حالة فيها ظهور شىء لمن هو فى غاية الحاجة إلى ما فيه، و هذا خلاف المقصود للشاعر، و كذا لو فرض أن المتكلم اقتصر على هذا الشطر كان خطأ منه؛ لأن المعنى المفاد منه خلاف ما يناسب أن يراد فى التشبيه؛ لأن كل جزء من طرف له نظير من الطرف الآخر فإذا أسقط ما يؤخذ منه ذلك الوجه بطل اعتبار المجموع (قوله: أى باعتبار) أى: بواسطة اتصال ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس أى: و لا شك أن انتهاء الشىء المؤيس إنما يؤخذ من الشطر الثانى، و أشار الشارح بقوله: أى: باعتبار .. إلخ، إلى أن الباء فى قوله باتصال للآلة مثلها فى قوله: نجرت بالقدوم أى: بواسطته، و حينئذ فهى داخلة فى كلام المصنف على وجه الشبه لا أنها صلة للتشبيه كما فى قولك: شبهت زيدا بالأسد، و إلا لاقتضى أن اتصال ابتداء المطمع بانتهاء المؤيس مشبه به مع أن المشبه به هو حال ظهور الغمامة