أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٠
كانت الأسباب عقليّة كشف عنها الشارع فتصحّ المعاملة في مثل بيع المصحف أو المسلم من الكافر ثمّ يجبر الكافر بإخراج المسلم أو المصحف عن ملكه، و بين ما إذا كانت الأسباب شرعيّة فتبطل المعاملة لأنّ جعل السبب بعيد مع مبغوضيّة متعلّقه و مسبّبه.
و قال في تهذيب الاصول توضيحاً لكلامه: «الظاهر أنّ مراده من كون الأسباب عقليّة هو كونها عقلائيّة إذ لا يتصوّر للسبب العقلي الاعتباري هنا معنى سوى ما ذكرنا» [١].
أقول: التعبير بالكشف لا الإمضاء في كلام الشّيخ الأعظم (رحمه الله) شاهد قطعي على أنّ مراده من كون الأسباب عقليّة ليس كونها عقلائيّة اعتباريّة كما لا يخفى، فمرجع كلامه حينئذٍ إلى أنّ في باب المعاملات يوجد نحو تأثّر و تأثير واقعيين بين الأسباب و المسبّبات كعقد النكاح و الزوجيّة، نظير ما قد يدّعي في باب تداخل الأسباب و المسبّبات من أنّ الأسباب الشرعيّة أسباب واقعية عقليّة كشف عنها الشارع.
و كيف كان فالإنصاف في هذا القسم ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) من دلالة النهي على الفساد ببيان «أنّ صحّة المعاملة تتوقّف على ثلاثة امور:
الأوّل: كون كلّ من المتعاملين مالكاً للعين أو بحكمه ليكون أمر النقل بيده و لا يكون أجنبياً عنه.
الثاني: أن لا يكون محجوراً عن التصرّف فيها من جهة تعلّق حقّ الغير بها أو لغير ذلك من أسباب الحجر ليكون له السلطنة الفعليّة على التصرّف فيها.
الثالث: أن يكون إيجاد المعاملة بسبب خاصّ و آلة خاصّة، و على ذلك فإذا فرض تعلّق النهي بالمسبّب و بنفس الملكيّة المنشأة مثلًا كما في النهي عن بيع المصحف و العبد المسلم من الكافر كان النهي معجزاً مولويّاً للمكلّف عن الفعل و رافعاً لسلطنته عليه فيختلّ بذلك الشرط الثاني» [٢].
أقول: أضف إلى ذلك أنّ فساد المعاملة في هذا القسم هو مقتضى الحكمة العقلائيّة في القوانين المجعولة عندهم حيث إنّ المقنّن الحكيم لا يمضي عقداً يكون مسبّبه مبغوضاً عنده و العقلاء يذمّون من أمضى عقداً ثمّ أجبر المشتري بالبيع ثانياً، و هذا بخلاف القسم الأوّل، أي
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٣٣٢، من طبع مهر.
[٢] أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٠٤.