أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٨٢ - الأمر التاسع في أقسام تعلّق النهي بالعبادة و تعيين محلّ النزاع فيها
و بعبارة اخرى: إنّ تلك الأدلّة منصرفة عن ما إذا كانت إحدى السورتين محرّمة بذاتها.
ثانياً: إنّ تحريم جزء ليس معناه أخذ العبادة بشرط لا بالنسبة إلى ذلك الجزء بل لعلّ معناه عدم جواز الاكتفاء به و لزوم الإتيان بجزء آخر معه فيكون نظير رمي الجمرة في مناسك الحجّ بالحجر المغصوب الذي يكون المراد منه عدم جواز الاكتفاء به، فلو أتى بعده بما هو مباح كفاه.
فظهر أنّ ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) في القسم الثاني من التفصيل يكون في محلّه.
أمّا القسم الثالث: و هو ما إذا تعلّق النهي بالشرط- فحاصل كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله) أنّ حرمة الشرط كما لا تستلزم فساده لا تستلزم فساد العبادة المشروطة به أيضاً إلّا إذا كان الشرط عبادة، فإنّه قد فصّل بين ما إذا كان الشرط توصّلياً كالستر و غيره فيكون خارجاً عن محلّ البحث أي لا يضرّ لبس الحرير المنهي عنه مثلًا بصحّة الصّلاة مع قطع النظر عن الأدلّة الخاصّة، و بين ما إذا كان الشرط تعبّديّاً فيوجب النهي عنه فساد نفسه ثمّ فساد العبادة المشروطة به.
و ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى خروج الشرط عن محلّ النزاع، أي عدم إيجاب النهي عنه بطلان المشروط به مطلقاً سواء كان تعبّديّاً أو توصّلياً، و ذلك ببيان أنّ شرط العبادة الذي تعلّق به النهي إنّما هو المعنى المعبّر عنه باسم المصدر، فشرط الصّلاة إنّما هي الطهارة المراد بها معنى اسم المصدر المقارنة معها زماناً، و أمّا الأفعال الخاصّة من الوضوء و التيمّم و الغسل فهي بنفسها ليست شرطاً للصّلاة و إنّما هي محصّلة لما هو شرطها، فما هو عبادة- أعني بها نفس الأفعال- ليس شرطاً للصّلاة و ما هو شرط لها- أعني به نفس الطهارة- فهو ليس بعبادة بل حاله حال بقيّة الشرائط في عدم اعتبار قصد القربة فيها، و لذلك يحكم بصحّة صلاة من صلّى غافلًا عن الطهارة فانكشف كونها مقترنة بها، و لا إشكال في أنّ النهي إنّما تعلّق بالمعنى المصدري لا اسم المصدري، فلا يوجب بطلان المشروط إلّا إذا كان النهي عنه نهياً عن نفس الصّلاة المشروط به حيث لا إشكال حينئذٍ في فساد العبادة [١].
أقول: الصحيح هو قول ثالث، و هو دخول الشرط في محلّ البحث مطلقاً من دون فرق بين التعبّدي و التوصّلي، أمّا ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله). ففيه:
أوّلًا: إنّ الشرط و إن كانت ذاته خارجة عن المشروط لكن التقيّد به جزء له و يوجب
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٣٩٩- ٤٠٠.