أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٥ - الفصل السادس عشر الواجب الكفائي
و أمّا مقام الإثبات: فالإنصاف أنّ القرائن الموجودة في الواجبات الكفائيّة الواردة في لسان الشارع و مناسبات الحكم و الموضوع فيها ترشدنا إلى أنّ المكلّف فيها ليس جميع المكلّفين بل إنّما هو عنوان أحد المكلّفين أو عنوان بعض المكلّفين أو طائفة منهم نظير ما ورد في قوله تعالى: «السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما»، و قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» فإنّ مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع أنّ متعلّق خطاب «اقطعوا» و «اجلدوا» بعض المكلّفين لا جميعهم، كما أنّ القرينة الخارجيّة تدلّنا على أنّ متعلّق خطاب «كونوا» في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ» إنّما هو بعض المكلّفين لأنّا نعلم من الخارج بكفاية شاهدين من المؤمنين لإقامة الشهادة، كما أنّه مقتضى كلمة «أو» أو كلمة «أحدكما» أو كلمة «أحدهم» في بعض الخطابات، كما إذا قال المولى لعبده «أنت أو أخوك يفعل ذلك» و مقتضى كلمة «طائفة» في مثل آية النفر و قوله تعالى:
«وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» [١] و قوله تعالى: «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» [٢] و هكذا قوله تعالى: «فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ». [٣]
و بالجملة: إنّ مثل كلمة «طائفة» أو «امّة» بضمّ كلمة «من» التبعيضيّة (طائفة منكم) قرينة حتمية على أنّ المتعلّق في الواجبات الكفاية ليس جميع المكلّفين بل المتعلّق إنّما هو عنوان بعض المكلّفين المشير إلى الخارج.
و يظهر ممّا ذكرنا كلّه ضعف سائر الوجوه أو الأقوال لا سيّما مع ملاحظة ما مرّ في الواجب التخييري.
بقي هنا امور
الأمر الأوّل: مسألة تعدّد العقاب و وحدته، فهل يعاقب جميع المكلّفين فيما إذا خالف الجميع، أو يعاقب بعضهم فقط؟
[١] سورة النور: الآية ٢.
[٢] سورة آل عمران: الآية ١٠٤.
[٣] سورة هود: الآية ١١٦.