أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٤ - الفصل السادس عشر الواجب الكفائي
الوجه الثالث منها و هو أن يتعلّق الخطاب بالقدر الجامع الحقيقي لعدم تصوّره بالنسبة إلى المكلّفين، فإنّ المكلّف يكون آحادهم لا الجامع الكلّي.
و كيف كان لا بدّ من طرح البحث هنا أيضاً في مقامين: مقام الثبوت و مقام الإثبات:
أمّا مقام الثبوت: فيأتي فيه مثل ما مرّ في الواجب التخييري، و هو أنّ المصالح التي تترتّب على الأشياء خارجاً على أنحاء مختلفة، فقسم منها لا يحصل إلّا باجتماع جميع الأيادي كحمل جسم ثقيل مثلًا من مكان إلى مكان آخر، و قسم منها تكون المصالح فيه متعدّدة يحصل كلّ واحدة منها بيد فرد واحد من الأفراد سواء كانت المصالح متّحدة في النوع أو مختلفة، و قسم ثالث منها تكون المصلحة فيه واحدة و يكفي في تحصيله قيام فرد واحد كفتح الباب مثلًا، و هنا قسم رابع و إن قلّ مصداقه في الخارج، و هو ما إذا كانت المصلحة متعدّدة و لكن لا يمكن الجمع بينها، إمّا لعدم قدرة المكلّفين على الجمع و إن لم يكن بينها تباين في حدّ ذاتها كما إذا كان للمولى مشاوران، أحدهما مشاور لأمر الدين، و الآخر مشاور لأمر الدنيا، و لكن قد ثبت له بالتجربة وقوع المنازعة بينهما و عدم قدرتها على ايفاء المصلحتين معاً، أو لكون المصلحتين مثلًا متباينين في حدّ ذاتهما.
هذه أقسام أربعة للأشياء من حيث المصلحة الموجودة فيها.
لا إشكال في أنّ الوجوب يكون على نهج العام المجموعي بناءً على القسم الأوّل، و على نهج العام الافرادي بناءً على القسم الثاني مع كونه وجوباً عينياً في كليهما كما لا يخفى، كما لا إشكال في كون الوجوب في القسم الثالث و القسم الرابع كفائيّاً و إنّ متعلّقه إنّما هو عنوان أحد المكلّفين بما أنّه مشير إلى الخارج.
و بعبارة اخرى: يكون متعلّق الوجوب فيهما صدور الفعل من صرف وجود المكلّف كما في الواجب التخييري (حيث إنّ متعلّق الوجوب فيه أيضاً كان صرف وجود الطبيعة المأمور بها) بينما كان المتعلّق في القسمين الأوّلين صدور الفعل من مطلق وجود المكلّف، و لا يمكن أن يقال:
إنّ متعلّق الوجوب فيهما (أي في الواجب الكفائي في القسمين الأخيرين) جميع المكلّفين و لكن على نحو من الوجوب غير الوجوب العيني، لأنّ الوجوب عبارة عن البعث إنشاءً كالبعث التكويني و يكون له سنخ واحد، و لا يعقل أن يكون له أنحاء مختلفة كما مرّ في الواجب التخييري، و هكذا بالنسبة إلى سائر الوجوه المتصوّرة في المسألة. هذا كلّه بالنسبة إلى مقام الثبوت.