أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤٩ - كلام التهذيب في الترتّب
وقت إجرائه و إنفاذه، وعليه إذا فرضنا حصول عائق عن وصول الحكم إلى المكلّف و إن كان قاصراً عن إزاحة علّته، أو عروض مانع كالعجز و الاضطرار عن القيام بمقتضى التكليف لا يوجب ذلك سقوط الحكم عن فعليته، و السرّ في ذلك أنّ غاية ما يحكم به العقل هو أنّ المكلّف إذا طرأ عليه العذر أو دام عذره و جهله أن لا يكون مستحقّاً للعقاب لا أن يكون الحكم إنشائيّاً.
الخامسة: كلّ حكم كلّي قانوني فهو خطاب واحد متعلّق لعامّة المكلّفين بلا تعدّد و لا تكثر في ناحية الخطاب بل التعدّد و الكثرة في ناحية المتعلّق، و يشهد عليه وجدان الشخص في خطاباته، فإنّ الشخص إذا دعا قومه لانجاز عمل أو رفع بليّة فهو بخطاب واحد يدعو الجميع إلى ما رامه لا أنّه يدعو كلّ واحد بخطاب مستقلّ و لو انحلالًا للغويّة ذلك بعد كفاية الخطاب الواحد بلا تشبّث بالانحلال ... و ملاك الانحلال في الإخبار و الإنشاء واحد، فلو قلنا بالانحلال في الثاني لزم القول به في الأوّل أيضاً مع أنّهم لا يلتزمون به، و إلّا يلزم أن يكون الخبر الواحد الكاذب أكاذيب في متن الواقع ... و أمّا الميزان في صحّة الخطاب الكلّي فهو إمكان انبعاث عدّة من المخاطبين بهذا الخطاب لا انبعاث كلّ واحد منهم ... و الضرورة قائمة بأنّ الأوامر الإلهيّة شاملة للعصاة لا بعنوانهم، و المحقّقون على أنّها شاملة أيضاً للكفّار مع أنّ الخطاب الخصوصي إلى الكفّار و كذا إلى العصاة المعلوم طغيانهم من أقبح المستهجنات بل غير ممكن لغرض الانبعاث ... و الإرادة التشريعيّة ليست إرادة متعلّقة بإتيان المكلّف و انبعاثه نحو العمل و إلّا يلزم في الإرادة الإلهيّة عدم تفكيكها عنه و عدم إمكان العصيان، بل هي عبارة عن إرادة التقنين و الجعل على نحو العموم، و في مثله يراعى الصحّة العقلائيّة، و معلوم أنّه لا تتوقّف عندهم على صحّة الانبعاث من كلّ أحد كما يظهر بالتأمّل في القوانين العرفيّة.
السادسة: إنّ الأحكام الشرعيّة غير مقيّدة بالقدرة لا شرعاً و لا عقلًا و إن كان حكم العقل بالاطاعة و العصيان في صورة القدرة ... لأنّه لو كانت مقيّدة بها من الشرع لزم القول بجريان البراءة عند الشكّ في القدرة، و هم لا يلتزمون به بل قائلون بالاحتياط مع الشكّ فيها، و أمّا تقييد العقل مستقلًا فلأنّ تصرّف العقل بالتقييد في حكم الغير و إرادته مع كون المشرّع غيره باطل، إذ لا معنى أن يتصرّف شخص في حكم غيره.
السابعة: إنّ الأمر بكلّ من الضدّين أمر بالمقدور الممكن، و الذي يكون غير مقدور هو جمع