أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٠ - ما الذي دعاني إلى هذا ؟
الرابعة لخارج الاصول، استخرت اللَّه بكتابه الكريم فجاءت هذه الآية: «وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ» [١] فتفأّلت بالخير، و حضرت في محضره الشريف فوجدت صدق التفؤّل، فكان درسه مذهباً للحَزَن و حالّاً للعُقَد، و ذلك لتوفّر بعض الشرائط و الخصوصيّات فيه:
منها: تحرّر فكري و أصالة في مجال البحث و النقد: بحيث يشاهد بوضوح عدم انجذاب عقربة الفكر إلى مدرسة خاصّة من المدارس الموجودة في محافل دروس مرحلة الخارج.
و الإنصاف أنّ هذه الدرجة من الحرّية و الاعتماد على النفس يلعب دوراً أساسيّاً في تربية التلميذ، و تكوين شخصيته العمليّة، و قوّة اعتماده على نفسه في البحث و الدراسة بعد ما أراد بخروجه من مرحلة السطح إلى مرحلة الخارج أن يقوم على قدميه، و أن يُخرج نفسه من هيمنة أفكار الأعاظم و سطوتها مع احترامها و الاهتمام بها.
و منها: السعي أن يعطى البحث- حدّ الإمكان- اتّجاهاً موضوعيّاً عمليّاً، و يخرجه من إطار الافتراضات المدرسيّة، و لعلّ هذا ممّا يلاحظ في مدرسة الشّيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في رسائله، و مما يتميّز به مشربه الاصولي و منهجه عن منهج المحقّق الخراساني (رحمه الله) في كفايته إلى درجة كبيرة.
فشاهدت في كثير من المباحث عدم الاكتفاء ببيان كليّات المسألة، و تركها في دائرة الفرض و التصوّر، بل يستعرض أيضاً ما يعتمد عليه الفقيه في مقام العمل و الاستنباط في الأبواب المختلفة من الفقه (من الاستظهارات العرفيّة، و الارتكازات العقلائيّة، و ما يستظهر من روايات أهل بيت الوحي : و ما فهم منها أصحابنا الإماميّة (رضوان اللَّه عليهم) بحسن سليقة، و استقامة فكر ... إلى أن تصل المسألة إلى موضع من التنقيح و الاطمئنان.
و منها: سلاسة البيان و سهولته، ممّا يخرج موضوع البحث من التعقيد المحيّر للفكر و العمق المتوهّم و الابّهة الخيالية المخيّبة لأمل التلميذ في حركته العمليّة.
بل إنّ سهولة بيانه (دام ظلّه) قد تصل إلى حدّ توجب تردّد التلميذ في بدء الأمر، فيحتمل أو يظنّ أنّ للمسألة المطروحة عمقاً آخر، و أنّه لم يؤدّ حقّها.
[١] سورة فاطر: الآية ٣٤.