أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٠ - ٣- الاطّراد و عدمه
و جوابه: إنّ كثرة استعمال لفظ في معنى و صحّة ذلك الاستعمال مع كثرته دليل على أنّ هذا الاستعمال لا يعتمد على القرينة و لا يضرّ احتمال وجود بعض القرائن الحاليّة و غيرها أحياناً لأنّه يتصوّر في استعمال واحد أو بالنسبة إلى موارد معدودة من الاستعمال لا بالنسبة إلى الكثير منه، فإذا ثبت أنّ صحّة الاستعمال في هذه الموارد لم يعتمد على القرينة نعلم بأنّها نشأت من الوضع.
فالإنصاف أنّ الاطّراد و عدمه من أحسن علائم الحقيقة و المجاز، وعليه العمل في كشف معاني الألفاظ، و اعراض جمع من الأعلام عنه هنا قولًا، مع التزامهم به في الكتب الفقهيّة عملًا، غير ضارّ.
الأمر الثاني: أنّه لا يجري في الاطّراد أيضاً ما مرّ من إشكال الدور، لأنّ المستعلم هنا يستعلم الوضع من كثرة استعمالات أهل اللسان و يكون جاهلًا بالوضع و لا يكون المستعلم و العالم واحداً.
الأمر الثالث: أنكر المحقّق العراقي (رحمه الله) كون الاطّراد من العلائم و حاصل كلامه: إنّه إمّا أن يكون المراد من الاطّراد الاطّراد في التبادر، أو الاطّراد في الاستعمال، فإن كان المراد هو الاطّراد في التبادر فمعناه تبادر معنى خاصّ من لفظ خاصّ في موارد كثيرة، و مرجع هذا إنّه يعتبر في دلالة التبادر على الوضع عدم اتّكائه على القرينة، و هو يحرز باطّراد التبادر، فيكون الاطّراد حينئذٍ شرطاً من شرائط كون التبادر علامة و ليس علامة مستقلّة، و إن كان المراد هو الثاني فهو ليس منحصراً بالمعنى الحقيقي لوجوده في المجازات أيضاً فلا يمكن أن يكون علامة [١].
أقول: نختار الشقّ الثاني من كلامه. و أنّ المراد من الاطّراد هو الاطّراد في الاستعمال، لكنا نقول في جوابه: إنّ أدنى تأمّل في محاوراتنا اليوميّة يدلّنا على أنّ الاستعمالات الحقيقيّة أكثر من الاستعمالات المجازيّة بمراتب، و ما قيل من أنّ أكثر كلمات العرب مجازات قول زور، و لا أساس له، نعم يمكن أن يقال: إنّ المجاز في الأشعار و الخطب كثير مطّرد، و لكنّه أيضاً لا يكون بمرتبة كثرة الحقيقة فيهما، و حينئذٍ يكون اطّراد الاستعمال سبباً للاطمئنان بأنّه مستعمل في المعنى الحقيقي، و أمّا في الكلمات المتعارفة فالأمر أوضح، و إن شئت اختبر نفسك في يوم واحد
[١] راجع بدائع الأفكار: ج ١، ص ٩٧- ٩٨.