أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٩ - ٣- الاطّراد و عدمه
الحمل ترجع إلى التبادر فانحصرت العلامة في التبادر.
الأمر الثاني: إنّ تطبيق الكلّي على فرده أمر عقلي لا يرتبط بعالم الاستعمال و الألفاظ، فلا يمكن أن يكون علامة لكون الاستعمال حقيقة [١].
أقول: ليت شعري كيف نسوا ما يسلكونه عملًا في الفقه في مقام كشف المعاني الحقيقية للألفاظ المستعملة في الأبواب المختلفة من الفقه؟ أو لسنا هناك فيما إذا أردنا فهم معنى الغنيمة مثلًا في قوله تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ ...» و إنّه هل يعمّ كلّ فائدة، و لو كانت في غير حروب أو تختصّ بما تؤخذ في معركة الحرب؟ نتمسّك بذيل الاستعمالات المختلفة للفظ الغنيمة في الآيات و الرّوايات و نهج البلاغة و أشعار العرب و نستدلّ بها على الخصم، و نقول إنّ اطّراد استعمالها في الرّوايات و غيرها في مطلق الفوائد أو في غير غنائم الحرب يدلّنا على كونها موضوعة لمطلق الفائدة و لو لم تحصل من ناحية القتال، أو إذا أردنا أن نعيّن معنى في «الكنز» في كتاب الزّكاة و إنّه هل يختصّ بما يخرج من تحت الأرض أو يعمّ كلّ مال مذخور مستور ذي قيمة؟ نتمسّك بمثل قوله تعالى: «وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما» (في قضيّة خضر و موسى) و أشباهه و نظائره ثمّ نستدلّ باطّراده في هذا المعنى في استعمالات العرب على كونه حقيقة في مطلق الأشياء الغالية المستورة عن النظر و لو لم يكن تحت الأرض، و هذا هو المحقّق النحرير الطبرسي (رحمه الله) في مجمع بيانه و غيره من المفسرين لا يزالون يتمسّكون لفهم معاني الألفاظ الواردة في القرآن بأشعار العرب و سائر موارد استعمالاتها كما لا يخفى على من راجع كلماتهم، كما إنّك ترى أيضاً رجوع كثير من أرباب اللّغة إلى استعمالات العرب في نظمهم و نثرهم، و لذلك كانوا يستأنسون بأهل البوادي و يعاشرونهم، فإذا رأوا اطّراد استعمال لفظ في معنى في محاوراتهم يحكمون بأنّه وضع لذلك المعنى، كما أنّ هذا أيضاً منهج العلماء في مناظراتهم فهم يقنعون بأبيات من أشعار العرب و غيرها إذا عرض عليهم في موارد مختلفة لإثبات معاني الألفاظ فيما إذا أطرد استعمال لفظ في معنى، و سيأتي الفرق بين هذه العلامة و بين ما هو منقول عن علم الهدى (رحمه الله).
ثمّ إنّ هاهنا اموراً لا بدّ من الإشارة إليها:
الأمر الأوّل: إنّه كيف يدلّ الاطّراد على الحقيقة؟
[١] راجع المحاضرات: ص ١٢٢.