أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٧٥ - الأمر السادس حدود محلّ النزاع
بقي هنا شيء:
و هو ما قد مرّ كراراً ممّا قد يقال: إنّ هذه التعاريف ليست تعاريف حقيقية بل إنّها تعاريف شرح الاسميّة فلا ينبغي الإيراد في طردها و عكسها.
و قد أجبنا عنه أيضاً بأنّ ظاهر كلمات القوم أنّهم بصدد بيان التعريف الحقيقي الجامع و المانع، و الشاهد عليه تعابيرهم الواردة في ذيل التعاريف كقولهم بأنّا إنّما ذكرنا هذا القيد لكذا و كذا، و حذفنا ذاك القيد لكذا و كذا، و حينئذٍ ينبغي لنا أيضاً الإشكال فيها طرداً و عكساً.
الأمر السادس: حدود محلّ النزاع
أمّا حدود محلّ النزاع و يأتي فيه أيضاً بعض ما مرّ في مبحث «الصحيحي و الأعمّي» و هو ثلاثة امور:
الأمر الأوّل: أنّ محلّ النزاع في المقام هو ما يكون أمراً مركّباً قابلًا للاتّصاف بالصحّة و الفساد، أمّا ما ليس كذلك فهو خارج عن محلّ الكلام، و هو عبارة عن ما لا أثر له كما في بعض المباحات كالتكلّم بكلام مباح، فلا إشكال في أنّ النهي عنه يوجب حرمته من دون أن يدلّ على الفساد لأنّه لم يكن له أثر حتّى يقع فاسداً بعد تعلّق النهي، و هكذا ما يكون ذا أثر و لكنّه من البسائط التي أمرها دائر بين الوجود و العدم كإتلاف مال الغير، فإنّ له أثر و هو الضمان و لكنّه أمر بسيط لا يتصوّر فيه الأجزاء و الشرائط حتّى يتصوّر فيه الفساد و يدلّ النهي عنه على الفساد، بل إنّه إمّا يوجد في الخارج فيترتّب عليه أثره و هو الضمان أو لا يوجد في الخارج فلا يترتّب عليه أثره.
الأمر الثاني: في المراد من الصحّة و الفساد.
فقد ذكر للصحّة (و بالتبع للفساد) معانٍ عديدة، فقال بعض أنّها بمعنى تماميّة الأجزاء الشرائط، و قال بعض آخر أنّها بمعنى ما تسقط به الإعادة و القضاء، و ذهب ثالث إلى أنّها بمعنى الموافقة للأمر أو الموافقة للشريعة، و الأوّلان منقولان من الفقهاء، و الأخير نقل عن المتكلّمين.
و لكن قد مرّ في مبحث الصحيح و الأعمّي أنّ المختار هو أنّ الصحيح ما ترتّب عليه الأثر المترقّب عنه، و الشاهد عليه العرف و التبادر العرفي و تمام الكلام في مبحث الصحيحي و الأعمّي.