أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٧٤ - الأمر الخامس في المراد من العبادة و المعاملة في محلّ النزاع
و يرد عليه أيضاً أنّه إن كان المراد من النيّة نيّة التقرّب فهو يرجع إلى المعنى الأوّل، و إن كان المراد منها نيّة الفعل و قصد الفعل فهو خلط بين العناوين القصديّة (كأداء الدَّين و نحوه) و العبادات حيث إنّ العناوين القصديّة ما تتوقّف صحّته على قصد العمل أعمّ من أن يقصد القربة به إلى اللَّه أيضاً أو لم يقصد القربة فهي أعمّ من العبادة.
٤- ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شيء (أي العبادة عبارة عمّا لا تكون مصلحته المنحصرة معلومة).
و فيه: أنّه ليس جامعاً و لا مانعاً لأنّه ربّ عبادة تكون مصالحها معلومة من طريق الآيات و الأخبار، و من جانب آخر ربّ عمل غير عبادي لا نعلم من المصلحة فيه شيئاً كلزوم تركيب كفن الميّت من ثلاث قطعات مثلًا.
فالمتعيّن من هذه المعاني حينئذٍ هو المعنى الأوّل، و لكن الإنصاف أنّه أيضاً لا يعبّر عن حقيقة العبادة بل إنّه من قبيل تعريف الشيء بأثره حيث إنّ «عدم سقوط الأمر إلّا إذا أتى على نحو قربي» من آثار العبادة و ليس عبارة عن حقيقتها، فالأولى أن يقال: أنّها نوع فعل يبرز به نهاية الخضوع و نهاية التجليل للمعبود.
و بعبارة اخرى: إنّ الخضوع له مراتب، و المتبادر من العبادة إنّما هو أعلى مراتب الخضوع كما يظهر بملاحظة معناها بالفارسيّة و هو «پرستش» حيث إنّ المتبادر من هذه الكلمة في اللّغة الفارسيّة إنّما هو نهاية الخضوع و التذلّل، و لذلك قد يقال في محاورات هذه اللّغة في مقام بيان نهاية خضوع شخص بالنسبة إلى شخص آخر: أنّه خضع عنده و تواضع له إلى حدّ «العبادة»، و بالجملة لا يسمّى كلّ نوع من الخضوع و كلّ مرتبة منه عند العرف بعبادة بل إنّها اسم لأعلى مراتبه كما لا يخفى.
نعم، إنّ الأعمال العباديّة على قسمين: ففي قسم منها يكون التعبير عن نهاية الخضوع ذاتياً له و لا يحتاج فيه إلى اعتبار معتبر كالركوع و السجود، و في قسم آخر منها يكون التعبير عن نهاية الخضوع باعتبار معتبر و وضع واضع و هو في لسان الشرع نظير الوقوف في المشعر أو السعي بين الصفا و المروة حيث إنّهما يدلّان على العبوديّة و نهاية التذلّل عند المعبود الحقيقي بجعل الشارع و اعتباره، و في لسان العرف نظير رفع القلنسوة عند قوم و وضعها عند قوم آخر لاظهار الخضوع فكما أنّ مطلق الخضوع قد يكون بالذات و اخرى بالاعتبار فكذلك نهايته.